الثلاثاء 24 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

تحيا مصر بجد خالص.. لأن حياتها حياتنا… تحيا مصر وتحيا.. في كل ناحية…
وكله قال تحيا مصر… في المصانع، في المزارع، في الجبال.
بس إحنا نسيبها تحيا… وهي تحيا وتبقى عال.
 

أبيات من قصيدته الأولى "تحيا مصر"، يحب أن يرددها دوما في كل لقاء أو مناسبة، الكلمات لشاعر وممثل وناشط سياسي مهموم بالقضية الوطنية لشاعر يحبّ دومًا ترديدها، هو من أبناء منطقة شعبية وحي فقير يقع على أحد خطوط سكك حديد مصر، ويفصل حي بولاق الدكرور الشعبي الذي يسكنه وبين حي المهندسين الراقي، وهو ما دفع ابن الحي الفقير، لطرح سؤال زلزل وجدانه البكر وألهمه الشعر ليصرخ متسائلا: «شعب في السماء وشعب تحت الأرض.. ليه يا ربي؟».

 لم يوفر له والداه الإجابة عن تساؤلاته، فالأب موظف بوزارة الصحة ملتزم ومشغول، والأم مهمومة بتربيته هو وأشقائه، ولا تجد وقتا للرد على أسئلته المزعجة، فتصرخ في وجهه "إحنا في إيه ولا إيه يا صلاح؟»، وكبر الطفل صلاح عبد الله متعثرا في مجموعة مفارقات تعكس المتناقضات والتضادات التي يعيشها المجتمع الطبقي دون أن يجد إجابة. 

حاول أن يجد الإجابة في السياسة.. توقف الصبي عن طرح الأسئلة، وبدأ يسخر من الواقع الصعب، عبر تأليف مونولوج ساخر، أو تحوير قصة درامية لتطابق شخوص الناس في بولاق الدكرور، يقول صلاح عبدالله في إحدى المقابلات التليفزيونية "ألّفت وأنا عيّل مونولوجًا أعجبني، وأديته في الأفراح الشعبية فأعجب الناس". في فيلم «الفرح» (2009)، أدى المونولوج نفسه: «ياما نفسي ألبس مريلة، وأفوت أيام البهدلة، وأرجع تاني المدرسة، بهدوم واسعة مهلهلة».

 اتجه للسياسة، ولكنه أفلت متعمّدًا من التصنيف السياسي، رغم أنه كان على مسافة واحدة من كل التيارات السياسية. 

البعض كان يعتبره شيوعيًا، وآخرون يرونه ناصريًا. ولكنه كان أميل إلى أصدقائه اليساريين. وهم من دفعوه في نادي بولاق الدكرور إلى تكوين فرقة للمسرح، بعدها انتخب أمينًا لحي بولاق والدقي في منظمة الشباب. لكن سريعًا ما انتهت علاقته بالسياسة في نهايات حقبة السادات واتجه إلى المسرح».


ولد ونشأ في حي بولاق الدكرور، حيث تشكلت ملامح شخصيته وسط بيئة شعبية أثّرت فيه إنسانيًا قبل أن تؤثر عليه فنيًا، حيث تشكلت ملامح شخصيته وسط بيئة شعبية، أثرت فيه إنسانيا قبل أن تؤثر عليه فنيًا.

 لم يكن الفن وقتها ضمن أحلامه، التحق بكلية التجارة جامعة القاهرة وتعلم التمثيل من فرقة الكلية المسرحية. قرر صلاح أن يكوّن فرقة مسرحية خاصة به للهواة باسم “تحالف قوى الشعب العامل”، وبدأ عبرها يقدم أعمالًا مميزة مزجت بين التمثيل والإخراج وكتابة الشعر. 

نجحت الفرقة بعد تقديمها لعدد من المسرحيات لكبار الكتاب مثل "آه يا بلد" لسعد الدين وهبة و"عسكر وحرامية" لألفريد فرج، كما ألّف للمسرح العديد من المسرحيات منها "العسكري الأخضر" التي قام ببطولتها سيد زيان.


لعبت القراءة دورًا كبيرًا في تشكيل شخصية صلاح عبدالله من خلال القصص القصيرة، واستهواه أرسين لوبين، وأغاثا كريستي، وعباس العقاد، وطه حسين، ونجيب محفوظ»، ويعترف بأنّه قصّر في حق موهبته الشعرية بقوله "تكاسلت. قلّ مجهودي، فتركني الشعر. لم أبادله الحب، فذهب إلى أناس أكثر تميزًا». مع إلحاح الكثيرين عليه لطباعة قصائده في ديوان، يرفض بحسم معلّلًا «عندما أحنّ إلى الشعر، أعزّي نفسي بأشعار صلاح جاهين، وبيرم التونسي، وأحمد فؤاد نجم ".

 كتب صلاح عبد الله الشعر الحر في مرحلة المراهقة، خصوصًا الشعر السياسي الذي شغل تسعين في المئة من تفكيره ونتاجه.

 كما كتب الأغاني وله أغنيتان بصوت صديق ورفيق درب 40 عامًا من عمرهما، الفنان على الحجار، إذ قام بتأليف كلمات أغنية ثانية له تحمل اسم "أجمل حاجة فيكي"، التي يقول مطلعها: "أجمل حاجة بجد فيكي، مش عينيكي ومش خدودك، ولا ثغرك ولا شعرك ولا عودك، أجمل حاجة فيكي إني بفرح لما أشوفك، إني برتاح في وجودك".


فرصة التمثيل جاءته عن طريق المخرج المخضرم شاكر عبداللطيف، الذي رشحه للمشاركة في مسرحية (رابعة العدوية) ثم ساعده على الانضمام لفرقة (استديو 80) التي أسسها الجوكر محمد صبحي، وتعاون معه في عدد كبير من العروض المسرحية، كما وقف بجانبه في المسلسل الشهير (سنبل بعد المليون).

 وبعد ذلك توالت أعماله المهمة في التليفزيون، وعلى شاشة السينما بدأت مسيرته بمجموعة من الأدوار محدودة المساحة مثل دوره في فيلم (يا مهلبية يا) مع ليلى علوي، ودوره في (الهروب) بجانب أحمد زكي، وبمرور الأيام توهج نجمه وبات من أهم وأبرز نجوم السينما والتليفزيون والمسرح.

 يحتوي السجل الفني لصلاح عبدالله على ما يقرب من 35 مسلسلا أهمها "الملك فاروق، الدالي، ريا وسكينة، فرح العمدة، سنبل بعد المليون، قيد عائلي"، كما قدم للسينما عددا كبيرا من الأفلام أهمها "الدادة دودي، كتيبة الإعدام، مواطن ومخبر وحرامي"، ويبلغ رصيده المسرحي 11 عرضا منها "الهمجي، حمري جمري، حودة كرامة"، ومنح النقاد (عبدالله) ألقابا كثيرة كان منها التلقائي، وبطل الخروج عن النص، ونجم الارتجال.


عرف جمهور الشاشة صلاح عبد الله بعد مشاركته في مسلسل “سنبل بعد المليون” عام 1987، حيث أدّى دورًا صغيرًا لكنه ظل عالقًا في ذاكرة المشاهدين، لتتوالى بعدها مشاركاته الناجحة، وأبرزها دوره الخالد في “ذئاب الجبل” الذي مزج فيه بين الكوميديا والتراجيديا ببراعة لا تُنسى.

 يجمع الفنان المصري صلاح عبدالله بين الجدية وخفة الظل، وينتقل كطائر رشيق بين الشخصيات "الكوميدية" و"التراجيدية"، وهو يعشق خشبة المسرح وقف أمام الكاميرا في أكثر من 125 عملًا بين السينما والدراما. 

وقد حقّق صلاح عبد الله نجاحًا حقيقيًا من خلال دور الشيخ إمام في فيلم الفاجومي، لكنّه يحنّ إلى دور آخر طبع مساره، بإدارة المخرج داود عبد السيد «مخرج عبقري قدّم له أجمل أدوار حياته، في فيلم «مواطن ومخبر وحرامي». هذا العمل حالة فنية لا تفارقه.


رغم المسلسلات التلبفزيونية القليلة التي قدمها صلاح عبد الله، قدم دور الصعيدي الساخر في مسلسل «ذئاب الجبل»، ثم مرت سنوات طويلة، شارك بعدها في مسلسل "الملك فاروق" مجسدًا دور الزعيم الوفدي مصطفى النحاس باشا.

وهو الدور الذي أقلقه: «أنا ضد تقديم الشخصيات التاريخية في أعمال فنية. ولولا أنّ كاتبة المسلسل لميس جابر أقنعته بالدور، لما أقدم على هذه المقامرة التي تحولت تجربة ممتعة وناجحة».  أن العام الذي قدّم فيه شخصية الزعيم مصطفى النحاس في “الملك فاروق” وشخصية فوزي الدالي في “الدالي”، شكّل نقلة فنية أكّدت أن عبد الله ليس مجرد ممثل خفيف الظل، بل فنان قادر على سبر أغوار النفس البشرية وتقديم أعقد الشخصيات بأداء صادق لا يشوبه تصنع.


وقدم الفنان صلاح عبد الله، برنامج "سطوح عم صلاح" في التليفزيون، و"قول ياعم صلاح" في الراديو كنوع من أنواع الحب لهذا اللقب، الذي أطلقه عليه الفنان الشعبي شعبان عبد الرحيم أثناء عملهما في فيلم "مواطن ومخبر، وحرامي".

ابن الخشبة يأسف لكون المسرح الجاد تراجعت مكانته لصالح العروض التجاريّة التي تقدم «وجبات خفيفة قبل النوم». ولا يخفي كونه مشتاقًا للعودة إلى التمثيل على خشبة المسرح. لكنه لا يدري إذا كان باب المسرح ما زال مفتوحًا له، أم إذا كان سيبقى دونه كالشعر.

اعتاد الفنان صلاح عبدالله كتابة الأشعار والأزجال والخواطر النثرية، سواء كانت بالفصحى أو العامية، وقد كتب بعض الخواطر التي لها علاقة بالموت والحياة. عبر حسابه بموقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، وفاجأ صلاح عبدالله متابعيه بكتابة رثاء لنفسه عند موته، مطالبًا محبيه وأصدقاءه بأن ينعوه ويذكروا محاسنه. 

وكتب صلاح عبدالله، قائلًا: "لما مت عملتوا إيه؟!، كان نفسي أشوفكم، بس ماقدرتش أشوف لأني مت، بس وحياة ميتينكوا، والكلام بيني وبينكوا لما مت زعلتوا عليا قد إيه؟!"


وتابع: "يوم.. يومين تلاتة بالكتير، مش بلومكم، ده أنا عايزكوا تعيشوا يومكم، صدقوني يومين كتير كفاية يوم، أو نص يوم أو ربع يوم، أو ربع ساعة فقط لا غير مش مهم". 

واستطرد: "المهم لما تشوفوا صورتي أو تيجي سيرتي، تذكروني، تذكروني بكل خير، وحبذا لو كانت الذكرى بدموع، أو شحتفة أو حشرجة أو نهنهة، قصدي خلوا الحالة تبدو إنها، حزن فاق كل الآفاق"... مضيفّ في رثائه، قائلًا: "في قلب من ألم الفراق موجوع، واوعوا تنسوا، اذكروا محاسن موتاكم ولو مفيش، ألفولي حبة محاسن واذكروها، واكتبوها على صورتي وشيّروها، أو لما تيجي سيرتي اسكتوا، اسكتوا وغيّروا الموضوع، غيّروا الموضوع لأني، للأسف.. لسه حي، لسه بهرب م اللي فات، لسه خايف م اللي جي".


وطالب صلاح عبدالله بحذف السطور الثلاثة الأخيرة من الرثاء بعد وفاته، قائلًا: "مِش عايزكوا تليكوا ولا تعلقوا عايزكوا بس تسيفوها، ولما ييجي اليوم المنظور آخر تلات سطور بعد الفاتحة احذفوها". 

أطال الله في عمر الفنان، الشاعر، البسيط المتواضع صلاح عبدالله، وعلى أمل أن يحظى بالبطولة المطلقة لعمل فني قريبا.
 

 

تم نسخ الرابط