نعيش هذه الأيام في نفحات الشهر المبارك المليء بالكرم والجود، فهو يطل علينا مرة واحدة كل عام حاملاً معه الكثير من النعم والخيرات، التي يتم توزيعها على الجميع دون تفرقة، وهناك من يسعد بهذا العطاء وآخر يغفل هذه النعم الربانية التي نسعى للفوز بها، وفي النهاية نجد أن الفائز هو من استقبل الشهر الفضيل بإخلاص النية وطهارة القلب ولسان عامر بالذكر، وعزم صادق على التوبة وحسن العمل والعبادة من أجل التقرب إلى الله عز وجل ونيل رضاه.
شهر رمضان يعتقد البعض أنه قائم على الصيام عن الطعام والشراب، ولكنه في الحقيقة منظومة متكاملة تهدف إلى إعادة ضبط النفس والجسد.
والتناغم داخل هذه المنظومة يبدأ بإخلاص النية قبل تنفيذ وتطبيق كل العبادات التي تغسل النفس وتطهر القلب وتريح الصدر، وذلك خلال أيام شهر رمضان القليلة في عددها الثقيلة في مكانتها وقيمتها.
حثّت الشرائع السماوية على إخلاص وصفاء النية في جميع الأعمال والأقوال، حيث إن النية الصادقة بمثابة بوابة وميزان القبول عند الله عز وجل، ومن خلالها يسمو العمل ويُبارك في الأجر، حيث قال الله تعالى في كتابه الكريم "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين" ( سورة البينة).
وجاءت الإشارة إلى إخلاص النية واضحة وجلية في الأحاديث النبوية الشريفة، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" صدق رسول الله.
علينا أن نوقن يقينًا لا شك فيه أن الارتقاء بالذات يبدأ بإخلاص النية وصفاء القلب كونهما مفتاح التوفيق وقبول الأعمال، فهما يمثلان أساس صلاح التعامل وزيادة الرزق وطمأنينة النفس وصفاء القلب، فكل من يتعامل بالنية الصادقة ينعم بالسكينة والسلام الداخلي بعيدا عن أي منافسة أو صراع أو توتر، حيث تتحول صفاء النية إلى درع واقٕ يحمي الإنسان من الإحباط أو الاستسلام أمام الأمور الحياتية المتقلبة، بالإضافة إلى أنه سيحظى بخير الدنيا والآخرة.
عندما تغوص في أعماق مفهوم وقيمة الإنسانية تجد أن جوهرها يكمن في النية الصادقة، فمثلاً في شهر رمضان الفضيل، هناك أفعال كثيرة تستلزم إخلاص النية لله تعالى، منها على سبيل المثال لا الحصر: "الصيام، جبر الخواطر، إفطار صائم، مساعدة الآخرين..."، وغيرها من أعمال الخير التي لا تحتاج ولا تنتظر إلى الشكر أو المديح عليها من البشر، وذلك كونها أفعالا إنسانية تتم بنية خالصة لوجه الله تعالى.
في ظل الظروف الحياتية المتغيرة والمتقلبة، نجد أن الجميع ينخرطون داخل دوامة الحياة يسعون ويبحثون عن المكاسب و تحقيق العوائد المعنوية أو المادية، وبرغم الطرق المختلفة التي تؤدي إلى الهدف المرجو، فإن الطريقة الصحيحة والمثلى هي إخلاص النية، التي من خلالها ستجني ثمار حب الخير والصدق والأمانة وتحقيق المنفعة للغير، وهذا بمثابة الاستثمار الوحيد الرابح في عالم طغت فيه الماديات على حساب الصفات الإنسانية والأخلاقية، فصاحب النية الخالصة يجد نفسه من الفائزين، ومن يحمل في داخله الحقد والضغائن للآخرين يجد نفسه أمام عوائق وتحديات في كل خطوة يخطوها.
ختاماً.. بعد عرض قيمة الإخلاص في النية وسماحة النفس ونقاء القلب، يتبين لنا أن أي مجتمع من السهل أن يتحول من غابة تنافسية إلى بيئة تعاونية، وذلك عندما تسود نية الإخلاص كل المعاملات المجتمعية والحياتية، وهنا يحصد كل فرد من أفراد المجتمع ثمار شجرة صفاء القلب والنية وينعم بالإنسانية.



