رئيس حكومة الأمل لــروزاليوسف: نريد هدنة موسعة لوقف الحرب
كيـف يُحكم السودان؟
حوار - أحمد إمبابي
فى الطريق إلى موعد مع رئيس «حكومة الأمل» السودانية، الدكتور كامل إدريس، رئيس الوزراء الانتقالى بالسودان، فى ختام زيارته للقاهرة الأسبوع الماضى، لم يكن لديَّ أسئلة مُلِحة، أكثر من الاستماع إلى تقديره بشأن تساؤلات المصير فى السودان؟، وسبل الحفاظ على السودان كدولة؟، إلى جانب الجديد الذى يمكن أن تقدمه مبادرة السلام السودانية لإنهاء مأساة الحرب؟، فى ظل تعقيدات وتدخلات فاقمت من عدائيات الداخل.
هكذا يفرض الواقع الذى آلت له الأوضاع فى السودان، بسبب تلك الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات، الحديث عن النتائج الغائبة؟، فلا حديث يضاهى إنهاء المأساة، وأى طريق يمكن السير فيه، يضمن تجنيب الدولة السودانية، لسيناريوهات التفتيت أو التقسيم؟، والواقع أن حديث الدكتور كامل إدريس، لم يختلف عن سردية النظام الشرعى فى السودان، لكننى وجدته «طموحًا»، يتحدث عن السلام الممكن برؤية سودانية وطنية، وعن مشروعات إعمار كبرى، تغير صورة الحرب السوداء عن واقع بلاده.
وعلى مدى ما يقرب من ساعة، فى منزل السفير السودانى بالقاهرة، كانت مناسبة مهمة للاستماع إلى تقديرات رئيس الحكومة السودانية، ونتائج زيارته للقاهرة، وحقيقة الأمر، أن هذا اللقاء سعيتُ إليه، من منطلق أن الدكتور كامل إدريس، أول مدنى يتولى الحكومة السودانية منذ الإطاحة بحكومة عبدالله حمدوك فى نهاية عام 2022، والتى تلاها اندلاع الحرب الداخلية مع ميليشيا «الدعم السريع» فى منتصف إبريل 2023، وبالتالى نظرته للواقع السودانى، بمثابة حُكم موضوعى للأوضاع هناك، باعتباره رجل تكنوقراط، عمل فى مناصب دولية، منها مديرًا للمنظمة العالمية للملكية الفكرية.
من هذا المنطلق جاء حديث الدكتور كامل إدريس، الذى لم يخلُ من ملفات مهمة، تتعلق بشكل الحكم المنشود فى السودان، وحقيقة ما إذا كانت هناك هدنة فعلية لوقف الحرب، والدور المصرى، الذى يُشكل حائط صد لمخططات تقسيم السودان، ورؤية إعادة الإعمار الطموحة ما بعد الحرب.
كيف يُحكم السودان؟
أكثر ما استوقفنى فى حديث الدكتور كامل إدريس، كانت إجابته عن سؤالى بخصوص، مسارات «مبادرة السلام السودانية» التى تم تقديمها لمجلس الأمن، وكيف تقدم رؤية للحل الأمنى والعسكرى والسياسى والإنسانى؟.. ذلك أنه أوجز أحد مفاتيح الحل فى السودان، بضرورة «التوافق بين مختلف النخب السودانية، حول كيف يحكم السودان؟، قبل الحديث عن من يحكم السودان؟».
والواقع أن هذه الإشكالية العميقة، التى تحتاج إلى توافق مجتمعى، ذلك أن شرارة النزاع المسلح، قامت بالأساس على وقع صراع على الحكم والسلطة، وبالتالى معالجة الصيغة التى يجب أن يحكم بها السودان، إحدى النقاط المهمة فى مسار الحل السياسى، الذى يجب أن يقدم إجاباته، النخب السياسية والمجتمعية.
فى إجابته عن مبادرة السلام السودانية، ومدى اختلافها عن المبادرات الإقليمية والدولية، وفرص تنفيذها، تحدث رئيس الوزراء السودانى عن مجموعة من الأبعاد وهى:
إن «المبادرة التى أعلنتها الحكومة السودانية، هدفها الوصول إلى هدنة موسعة وشاملة لإنهاء الحرب فى السودان».
وعن فائدة المبادرة، قال إدريس إنها «تستهدف انتقال السودان من موضع اللاعبين البدلاء فى ملف السلام، إلى اللاعبين الأساسيين»، مشيرًا إلى أنه تم تقديم المبادرة إلى مجلس الأمن الدولى وعرضها أيضًا فى مؤتمر ميونخ للأمن.
وقال رئيس وزراء السودان: إن المبادرة المقصود بها الهدنة ونزع السلاح، والهدنة ليست غاية فقط، ولكنها وسيلة للسلام الشامل والعادل فى السودان، وأشار إلى أنها تستهدف نزع السلاح من الميليشيات المتمردة والمرتزقة الذين جاءوا من كل أنحاء العالم، مشيرًا إلى أن هناك مقاتلين من كولومبيا وأوكرانيا فى صفوف ميليشيا «الدعم السريع»، وقال: إن مفهوم السلام يتمثل فى ترحيلهم وتسكينهم فى معسكرات، وإعادة استيعاب الميليشيات التى لم ترتكب جرائم داخل البنية الاجتماعية والسياسية.
وأوضح أن المبادرة تتحدث عن عملية سياسية موسعة وحوار سودانى-سودانى لا يستثنى أحدًا إلا من أبى، وأهم ركن فيه هو أن يتفق أهل السودان حول «كيف يحكم السودان، قبل الحديث عن من يحكم؟»، وعندها يمكن أن تجرى الانتخابات العامة ليختار السودانيون من يمثلهم.
وبشأن الموقف من مبادرة (الرباعية الدولية)، التى تضم مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة، قال إدريس: إن السودان يرحب بكل المبادرات التى تدعم السلام، مشيرًا إلى أن مبادرة «الرباعية» تتكامل مع المبادرة السودانية، غير أن «السودان يريد هدنة موسعة وشاملة لوقف الحرب، وليس هدنة منقوصة، والتى ثبت عدم فائدتها»، وفى نفس الوقت أكد على أنه لا يوجد أى اتفاق نهائى بشأن الهدنة التى تحدث عنها مستشار الرئيس الأمريكى للشئون الأفريقية مسعد بولس.
والشاهد فى هذا الحديث، أنه لا يوجد أفق قريب لإنهاء مأساة الحرب، ذلك أنه لا يوجد مسار فعلى للتفاوض حتى ولو بصيغة غير مباشرة، حول هدنة لفترة قصيرة، وفى نفس الوقت، يبدو أن مجلس السيادة السودانى والحكومة السودانية، لا يحلو لها بعض مما تحمله مبادرات الحل الخارجية، لا سيما ما تحمله من اشتراطات، فأرادت تقديم رؤية للسلام بملكية وطنية، تحفظ لها سيادتها وشرعيتها.

خطوط مصر الحمراء
المحور الثانى فى مقابلة رئيس وزراء السودان، كان ما يتعلق بالدور المصرى الداعم للسودان ومؤسساته الوطنية، فى مواجهة سيناريوهات التقسيم، وإلى أى مدى تشكل القاهرة حائط صد للدفاع عن وحدة السودان وأراضيه، وهنا وجب التوقف أمام مجموعة من النقاط التى تحدث عنها الدكتور كامل إدريس، عن مصر ودور القيادة السياسية، فى رأب الصدع الإقليمى، وهى:
وصف رئيس وزراء السودان، الرئيس عبدالفتاح السيسي، بأنه «زعيم الحكمة العربية».
أيضًا تحدث عن نتائج مباحثاته مع المسئولين فى مصر، بداية من الرئيس السيسي، ورئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى، وقال إنه تم الاتفاق على «الشراكة المنتجة» بين البلدين، وعلى وحدة المصير المشترك.
تحدث رئيس حكومة الأمل، عن الخطوط الحمراء التى رسمتها مصر لدعم السودان، فى مواجهة محاولات التفتيت والتقسيم، وقال: إن «مصر أكدت على أن استقلالية السودان، وسلامة مؤسساته الوطنية وأراضيه، خط أحمر بالنسبة لها»، وأشار إلى أن «الرئيس السيسي أعاد التأكيد على هذا المبدأ خلال لقائه معه، دعمًا لوحدة واستقرار السودان».
من القضايا التى أفرد لها الدكتور كامل إدريس فى الحديث، كان ما يتعلق بتوفيق أوضاع السودانيين فى مصر، بعد ما أثير فى الفترة الأخيرة، من ملاحقات لبعضهم، وهنا أشار إلى أنه «لا توجد عودة قسرية للسودانيين، وأن ما يتم هو عودة طوعية لهم»، وقال: إن كل ما يُثار عبر منصات التواصل الاجتماعى، غرضه «إثارة الفتنة بين البلدين، وخصوصًا أن الإجراءات المصرية تدابير روتينية لا تستهدف السودانيين بعينهم».
وفى هذا الإطار، تحدث إدريس أيضًا، عن تعهدات مباشرة من الرئيس السيسي، بتقنين أوضاع الجالية السودانية، وتسهيل دراسة الطلاب السودانيين فى الجامعات والمدارس، إلى جانب إنهاء استعدادات إقامة امتحانات الشهادة السودانية الشهر المقبل، بالإضافة إلى تدشين، آلية لإطلاق سراح السودانيين المحبوسين، تبادل السجناء.
إعادة الإعمار
نقطة التوقف الثالثة، فى لقاء الدكتور كامل إدريس، كانت عما يتعلق بملف إعادة الإعمار والمساهمة المصرية، فى هذا الملف، وهنا رأيت رئيس حكومة الأمل، طموحًا إلى حد كبير، أملًا فى بدء خطة التعافى المبكر، من آثار الحرب فى ولايات السودان.. وهذا ما بدى فى النقاط التالية:
أكد إدريس على أن «مصر ستكون لها القدح المُعلى فى عملية إعادة الإعمار بالسودان»، للاستفادة من الخبرات المصرية فى عملية التنمية.
الأمر الآخر، أن رئيس حكومة الأمل، تحدث عن مشروع جديد يستهدف تدشينه، ويتولى متابعته بشكل شخصى، وهو «إنشاء مُديرية إدارية جديدة فى السودان، على غرار العاصمة الجديدة فى مصر»، وقال إنه «لم يتم تحديد مكان إقامة هذه المدينة فى السودان»، ولكن «بلاده تعول على الخبرة المصرية فى هذا الملف، لإقامة هذه المدينة».
ومن هذا المنطلق، كانت زيارة الدكتور كامل إدريس للقاهرة، مناسبة للقيام بجولة فى العاصمة الجديدة، لتفقد أحياء المدينة المختلفة، ومخطط إنشائها.
وصف إدريس، دور مصر فى عملية إعادة الإعمار، بأن «السودان يهتم بمشاركة مصر فى الرؤية الكلية لإعادة الإعمار»، وقال إن «هناك وفد فنى بصدد إعداد تقرير مكثف عن ملف إعادة الإعمار فى السودان».

مياه النيل
على صعيد قضية الأمن المائى، أعاد رئيس وزراء السودان، التأكيد على مجموعة من الثوابت التى تتوافق مع الرؤية المصرية، خصوصًا ما يتعلق بسياسة التعاون مع دول حوض النيل، والموقف من أزمة «السد الإثيوبى»، وهنا تحدث عن الآتى:
أكد رئيس وزراء السودان، على أهمية ملف المياه، مشيرًا إلى أن هذا الملف، أمنى واقتصادى، وقال إنه تم الاتفاق مع المسئولين فى مصر على «ضرورة حوكمة هذا الملف مع دول حوض النيل بالإجماع، ورفض الممارسات الأحادية التى تضر بمصالح دولتى المصب مصر والسودان».
شدد إدريس على ضرورة أن يكون هناك اتفاق على قواعد تشغيل «السد الإثيوبى»، وضرورة اعتماد مبدأ الشفافية وتبادل المعلومات مع الجانب الإثيوبى.
أشار رئيس وزراء السودان، إلى أن «ملف المياه يهم مصلحة مصر والسودان»، وأنه تم توقيع اتفاق مشترك خلال زيارته للقاهرة، بشأن أهمية حماية الحقوق المائية للبلدين.
وفى هذا الملف، وجب التوقف أمام واحدة من النقاط المهمة، التى تضمنها البيان المشترك، الصادر عن مباحثات رئيسى وزراء مصر والسودان الأسبوع الماضى، حيث جرى التأكيد على «ارتباط الأمن المائى السودانى والمصرى، كجزء واحد لا يتجزأ»، إلى جانب «َضرورة حماية الأمن المائى لمصر والسودان، باعتبارهما دولتى مصب نهر النيل»، مع التأكد على «العمل المشترك للحفاظ على حقوق واستخدامات البلدين المائية كاملة وفقًا لاتفاقية عام 1959، مع تنسيق وتطابق المواقف التام فى مختلف المحافل الإقليمية والدولية المعنية بموضوعات نهر النيل».
وإجمالًا، تظل النقاط التى تحدث عنها رئيس وزراء السودان، «رؤى طموحة»، لدى حكومة الأمل، ولكن معظمها مرهون بضرورة وحتمية وقف العدائيات الداخلية، وإنهاء مأساة الحرب الداخلية، وهذه أولوية يجب أن تتكامل فيها كل الجهود الوطنية داخل السودان، والإقليمية والدولية.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



