لو عدت بذاكرتك عزيزى القارئ لعلك تتذكر مصر فى الثمانينيات والتسعينيات سواء كنت طفلاً صغيرًا أو شابًا يافعًا، ستجد أن المحلات والمطاعم بل المخابز فى مصر كانت تغلق فى العاشرة مساء بشكل صارم، وكان يوم الأحد هو الإجازة الرسمية لأغلب المحلات على اختلاف أنواعها ونشاطاتها!
الحقيقة كان الأمر ينفذ بجدية صارمة من قبل المحليات والأحياء والمحافظات الأمر الذى معه كان يقل تدريجيًا كثافة المواصلات ،فكان أمهاتنا وآباؤنا يتقيدون بنظام حياة غاية فى الانتظام فالكل يذهب للنوم فى تمام الحادية عشرة لأن فى الصباح هناك مواعيد مقدسة للعمل والدراسة! وكان للسهر أماكن بعينها كازينوهات ليلية هى فقط ما كان يسمح لها بالسهر حتى الصباح بترخيص وضريبة خاصة!
بالطبع أتحدث فى عصر ما قبل السوشيال ميديا والموبايلات وسلاسل المحلات وانتشار الكافيهات والمولات لتتغير الحياة الاجتماعية فى مصر تغيرًا جذريًا يبدأ من بدايات الألفينيات لتصبح ثقافة السهر هى الشكل الجديد للحياة فى مصر تتبدل معه كثير من الأحوال فى متغير زاد من سرعة وإيقاع الحياة وصخبها وتكاليفها أيضًا!
وأصبح من الطبيعى أن تجد المحلات والكافيهات والمطاعم تسهر للثالثة صباحًا إن أغلقت فى الأصل!
لعل الأمر بدأ ببعض الكافيهات القليلة فى أماكن وجود السياح العرب والأجانب مثل المهندسين والحسين ومدينة نصر لتتحول هذه المناطق لتجمعات شهيرة شيئا فشيئًا تتمدد لتطال كل أحياء القاهرة والجيزة ومن ثم تنتشر تدريجيًا فى المحافظات وإن بدأت على خجل إلا أنها باتت فرضًا وأمرًا واقعًا تغير معه المزاج الاجتماعى لديها، فلم يعد السهر حكرًا على التجمعات العائلية بل اتجه اتجاهًا أقرب بالسهر بين الشباب الذكور فى المحافظات التى يغلب عليها بعض التزمت بينما كان السهر حكرا على الشباب من الجنسين فى محافظات تتميز بمرونة أكبر مثل القاهرة والإسكندرية !
اليوم ورغم وجود الكثير من المعترضين على قرارات رئيس الوزراء لإغلاق المحال والكافيهات والمولات فى التاسعة قبل مد فترة الغلق إلى الحادية عشرة مساءً الا أن مصر اتجهت فى هذا الاتجاه نظرًا لعدة عوامل اقتصادية وسياسية تمر بها المنطقة بل العالم أجمع بداية من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مرورًا بغلق مضيق هرمز، الأمر الذى أثر كل التأثير على الطاقة والغاز لدينا فكان لزامًا ترشيد الاستهلاك كخطوة ربما تعد أفضل من العودة لتخفيف الأحمال فى المنازل والمناطق بكل مافيها من محلات ومصانع ومستشفيات!
وإن كان هذا الخيار ربما قد يكون واردًا إذا استمرت أزمة الحرب وتداعياتها فى المنطقة !
السؤال الذى كان مثارا على السوشيال ميديا حتى لو ساخرًا! أيهما سيزيد هذا الإغلاق المبكر حالات الولادة والإنجاب أم حالات الطلاق والخلع!
ولأن لدى الوعى الجمعى المصرى تجربة مشابهة وهو الإغلاق الجزئى فى شهور الكورونا فأستطيع أن أقول لك عزيزى القارئ أن الذى زاد كانت معدلات الطلاق عن معدلات الإنجاب والعلاقات الزوجية لأسباب كثيرة منها الخوف من الحمل فى هذه الظروف والضغط الاقتصادى الذى كان من تداعياته تسريح العمالة بعد الإغلاق، بل هناك إحصاءات تقول إنه انخفضت معدلات الإنجاب فى 2019 عن غيرها من السنوات التى تلت الجائحة
والأمر اليوم هو أشبه بالبارحة فغابت الكورونا وأطلت الحرب التى معها تتبدل الكثير من المشاعر حتى بين الرجل والمرأة تحت سقف واحد فى ظل كثير من الملهيات مثل الشات والشاشات والمنصات والموبيلات لتتحول منازلنا لحوائط افتراضية عازلة للحب والعلاقة الزوجية فى زمن الإغلاق والحرب!
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



