رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

حرب إيران تهدد إنتاج الأرز في آسيا مع ارتفاع تكاليف الزراعة

بوابة روز اليوسف

 وسط موجة تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران على الاقتصاد العالمي، تهدد أزمة نقص الأسمدة محاصيل الأرز في آسيا، مع إعادة المزارعين حساباتهم قبل بدء موسم زراعة جديد.

 

وأدى التوتر بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإيران، والذي تسبب في توقف شبه كامل لحركة الشحن في الخليج العربي، إلى صدمات في سلاسل الإمداد قلبت حياة الناس على بعد آلاف الكيلومترات في آسيا، ورفعت تكاليف المزارعين مع بداية مواسم الزراعة الرئيسية، ما سيؤدي إلى انخفاض حاد في المحاصيل خلال النصف الثاني من العام وما بعده، بحسب مسؤولين حكوميين وخبراء اقتصاديين وجماعات زراعية.

 

وسلطت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية الضوء على المزارعة التايلاندية سايثونج جامجاي التي أنهت حصاد الأرز في 19 هكتارا من الأراضي الزراعية التي تملكها في وسط تايلاند، والاستعداد للزراعة من جديد، إلا أنها تدرس عدم بدء موسم جديد هذه المرة بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.

 

وأوضحت جامجاي أنها أعادت حساب التكاليف لأسابيع، مشيرة إلى أن الأسعار المرتفعة الناتجة عن الحرب، بما في ذلك الوقود والأسمدة والبلاستيك وغيرها من المستلزمات، سترفع تكلفة الزراعة والحصاد إلى ما لا يقل عن 33 ألف دولار. وأضافت أن المحصول الذي ستنتجه سيباع في أغسطس مقابل نحو 22 ألف دولار فقط.

 

وقالت سايثونج، البالغة من العمر 53 عاما: "خسارة مؤكدة"، مضيفة أنها تفضل ترك أرضها تحت بقايا الموسم الماضي الصفراء بدلا من المخاطرة، قائلة: "لن نغرق مواردنا في هذا الوضع".

 

وخلال مخاطبته قادة العالم في روما الخميس، قال دونجيو كو، المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، إن الحرب لم تخلق أزمة جيوسياسية فحسب، بل "أحدثت اضطرابا في صميم النظام الغذائي والزراعي العالمي".

 

وأدى تدمير إيران للبنية التحتية للغاز في الخليج، إلى جانب محاولات الولايات المتحدة وإيران خنق حركة الملاحة في مضيق هرمز، إلى منع إمدادات حيوية من الوقود ومشتقاته مثل اليوريا، وهي مصدر قوي للنيتروجين يعزز المحاصيل، من مغادرة الشرق الأوسط، وبسبب أن بناء البنية التحتية للوقود يستغرق سنوات، فلا يوجد بديل جاهز لهذه الإمدادات.

 

وقالت برانشي جويال، كبيرة المحللين في شركة متخصصة في معلومات الأسواق، إن 30% من إمدادات اليوريا العالمية "اختفت فعليا"، مضيفة أن الصين، وهي منتج رئيسي للأسمدة، فرضت قيودا على الصادرات لضمان توافر الكميات الكافية لمزارعيها، بينما تشهد روسيا، وهي مصنع كبير آخر، ارتفاعا هائلا في الطلب، ما قد يعزز اقتصادها ويدعم حربها في أوكرانيا، وفي السوق الفورية ارتفعت أسعار اليوريا بنسبة 40% منذ فبراير.

 

وقال ترامب الأسبوع الماضي إن الولايات المتحدة ستوجه السفن العالقة عبر مضيق هرمز، لكنه تراجع سريعا بعد تقارير أفادت بتعرض مدمرتين أمريكيتين لهجوم أثناء عبورهما المضيق، وحتى إذا استؤنفت حركة الملاحة، فإن وصول الشحنات إلى وجهاتها واستقرار الأسواق سيستغرق شهرًا أو شهرين على الأقل، بحسب جويال.

 

وأضافت جويال أن استمرار إغلاق مصانع الإنتاج في الشرق الأوسط سيطيل المدة اللازمة لإعادة تشغيلها، قائلة: "هذه المشكلة تتفاقم بطريقة غير خطية، وكذلك تتفاقم تداعياتها".

 

ففي تايلاند والفلبين وبنجلاديش وأستراليا، وهي أول الدول التي دخلت مواسم الزراعة الرئيسية منذ اندلاع الحرب، بدأ المزارعون بالفعل في تقليص الزراعة أو التخلي عنها أو خفض استخدام الأسمدة، ما سيؤدي إلى تراجع الإنتاجية.

 

وقال ماكسيمو توريرو، كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة، إنه مع امتداد الحرب إلى مراحل أعمق من الموسم الزراعي، سيضطر مزارعون من دول أخرى لاتخاذ الخيارات نفسها، مضيفا: "في الوقت الحالي، التأثيرات أكثر حدة في آسيا، لكن من الواضح أن الأزمة تتحرك من الشرق إلى الغرب ومن الجنوب إلى الشمال".

 

وفي يونيو، ستزيد الهند والبرازيل، وهما من أكبر المنتجين الزراعيين في العالم، طلباتهما من اليوريا، وقال توريرو إنه إذا لم تكن السفن المحملة باليوريا قد عادت للإبحار بحلول ذلك الوقت، فستحدث "خسائر كبيرة في المحاصيل" في العديد من الدول، كما سترتفع أسعار السلع، ما سيؤجج التضخم، فيما سيكون تأثير ذلك على النمو الاقتصادي "قريبا جدا مما حدث خلال كوفيد-19".

 

ولزيادة تعقيد الوضع، يقول العلماء إن العالم قد يشهد هذا العام ظاهرة "إل نينيو" مناخية قوية، قد تتسبب في موجات حر وجفاف شديدين يوجهان ضربة إضافية للمحاصيل.

 

وحاولت الحكومات تهدئة الأسواق بالتأكيد على امتلاكها احتياطيات، فعلى سبيل المثال، قالت وزارة التجارة التايلاندية في أبريل إن البلاد ما زال لديها 343 ألف طن من سماد اليوريا، تكفي لدعم موسم الزراعة المقبل، لكن التجول في السهول الواسعة المحيطة بحوض نهر تشاو فرايا في تايلاند يكشف صورة مختلفة.

 

ففي مقاطعتي أيوثايا وسوفان بوري، كانت متاجر الأسمدة الكبيرة والصغيرة خالية تمامًا من اليوريا، وقال أصحابها إن النقص مستمر منذ أسابيع، وأوضحوا أن الموزعين يعرضون فقط مركبات روسية يخشى المزارعون استخدامها.

 

وقال سيانسدي تيراساتايافون، البالغ من العمر 62 عامًا ويدير تجارة جملة للأسمدة، إنه أرسل شاحنة إلى سوق يرتاده كبار التجار لمحاولة شراء اليوريا، لكن بعد انتظار 4 أيام عادت الشاحنة فارغة.

 

ومع اقتراب موسم الزراعة، قال كثير من المزارعين إنهم يواجهون أسوأ ظروف مرت عليهم في حياتهم، مؤكدين أن النقص وارتفاع التكاليف لم يبلغا هذا المستوى حتى خلال الحرب الروسية الأوكرانية أو جائحة كورونا.

 

وقالت نام أوي، البالغة من العمر 58 عامًا، إنها لا تستطيع تحمل تكاليف زراعة سوى 19 هكتارًا من أصل 32 هكتارًا تمتلكها، مؤكدة أنها لم تترك أرضًا بورًا من قبل، ويلقي بعض جيرانها اللوم على الحكومة التايلاندية بسبب ضعف الدعم، بينما يتهم آخرون شركات الأسمدة بتحقيق أرباح مبالغ فيها خلال الأزمة.

 

وفي مقابلة، أكد وزير الخارجية التايلاندي سيهاساك فوانجكيتكيو أن تايلاند مازالت تمتلك إمدادات زراعية كافية، وأن القادة التايلانديين يسافرون حول العالم لتأمين المزيد، لكنه أقر بأن البلاد تنافس دولًا أكبر وأكثر ثراءً وسط تحديات لوجستية غير مسبوقة، قائلًا: "لم نواجه أزمة كهذه من قبل".

 

والثلاثاء الماضي، بعد أسبوعين من زيارة إلى موسكو، قال وزير الزراعة التايلاندي "إن محاولة تأمين اليوريا من روسيا مرشحة للفشل"، موضحًا أن اضطرابات الشحن تعني أن وصول اليوريا الروسية إلى تايلاند سيستغرق شهرين على الأقل، وهو وقت متأخر جدًا بالنسبة لموسم الزراعة الحالي.

 

ويرى خبراء الزراعة أن الحرب على إيران أكدت ضرورة أن يصبح المزارعون أكثر اعتمادًا على أنفسهم، مثل التخلي عن الديزل والتحول إلى الطاقة الشمسية أو استبدال الأسمدة الكيميائية ببدائل عضوية يمكن إنتاجها محليًا، لكن تنفيذ هذه التحولات يحتاج إلى دعم حكومي ووقت، وكلاهما نادر، بحسب إستر بينونيا، الأمين العام لاتحاد المزارعين الآسيويين.

 

وتعرض المزارعون التايلانديون لضربة مزدوجة لأن الشرق الأوسط يعد أيضًا من أكبر أسواق التصدير بالنسبة لهم، ووفقًا لبيانات الجمارك، استحوذت المنطقة على 17% من صادرات الأرز التايلاندي في 2025، فيما كانت العراق أكبر وجهة منفردة للأرز التايلاندي.

 

وفي اليوم الذي قصفت فيه القوات الأمريكية والإسرائيلية إيران، طلب مشغلو السفن في أحد موانئ بانكوك من التجار إعادة حاويات الأرز المتجهة إلى دول الخليج من السفن إلى المخازن، بحسب شوكيات أوفاسونجسي رئيس اتحاد مصدري الأرز التايلاندي، ومنذ ذلك الحين، لم تغادر أي شحنات أرز إلى الخليج.

 

واستوعبت ماليزيا والفلبين جزءًا من الفائض التايلاندي، لكن ليس بالكامل، ما أدى إلى تخمة في المعروض أبقت أسعار الأرز منخفضة، بحسب أوفاسونجسي.

 

وحتى قبل الحرب، كان كثير من المزارعين التايلانديين يعيشون أوضاعًا مالية هشة، معتمدين على القروض للبقاء من موسم إلى آخر، أما الآن فإن ضغوط ارتفاع تكاليف الزراعة وانخفاض أسعار الأرز المتوقعة قد تدفع ملايين المزارعين إلى دوامة ديون قد تستغرق سنوات للخروج منها، بحسب براموت شاروينسيلب، رئيس اتحاد المزارعين والعاملين بالزراعة في تايلاند.

تم نسخ الرابط