رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

كلمة السّر «الجمهور»

الملكى يحقق درع الدورى الــــ 15 فى موسم استثنائى

بوابة روز اليوسف

لم يكن تتويج نادى الزمالك بدرع الدورى للمرة الخامسة عشرة مجرد لقب جديد يُضاف إلى خزائن القلعة البيضاء؛ بقدر ما كان انتصارًا استثنائيًا على موسم بدا فى لحظات كثيرة وكأنه يسير نحو الانهيار الكامل.

 

موسم حمل فى طياته كل أنواع الضغوط والأزمات، بداية من إيقاف القيد، مرورًا بالغرامات المالية والأحكام الرياضية النافذة، ووصولاً إلى نقص الموارد المالية، وحرمان الفريق من تدعيم صفوفه خلال سوق الانتقالات الشتوية، فى وقت كان فيه المنافسون، وعلى رأسهم النادى الأهلى ونادى بيراميدز، يعيشون حالة من الاستقرار الإدارى والمالى والفنى، لكن الزمالك، كعادته التاريخية، اختار الطريق الأصعب نحو المجد.
 


منذ الأسابيع الأولى للموسم، كانت المؤشرات تؤكد أن النادى الأبيض يدخل واحدة من أكثر سنواته تعقيدًا، فما بين أزمات مالية متراكمة، وقرارات دولية واجبة التنفيذ فى 18 قضية رياضية، وضغوط مستمرة تهدد استقرار الفريق الأول.
 


ومع تعقد المشهد، وجد الجهاز الإدارى نفسه أمام خيارات محدودة للغاية، دفعت الإدارة الرياضية بقيادة جون إدوارد إلى اتخاذ قرارات مؤلمة، ربما لم يكن جمهور الزمالك يتخيل حدوثها فى خضم صراع شرس على لقب الدورى.
 


القرار الأصعب تمثل فى التفريط فى اثنين من أهم أعمدة خط الوسط؛ بانتقال ناصر ماهر إلى بيراميدز، ورحيل نبيل عماد دونجا إلى نادى النجمة السعودى، فى خطوة حملت الكثير من المخاطرة، لكنها كانت محاولة اضطرارية لتوفير السيولة المالية اللازمة لاستمرار الفريق فى المنافسة، وسداد الالتزامات العاجلة، وتجنب شلل كامل داخل المنظومة.
 


فى تلك اللحظة، بدا الزمالك وكأنه يخوض سباقًا غير متكافئ، فالأهلى يمتلك قائمة مدججة بالنجوم الدوليين، واستقرارًا إداريًا وفنيًا واضحًا، وبيراميدز يواصل تدعيم صفوفه بلا حدود تقريبًا، بينما كان الزمالك يحاول النجاة أولاً، ثم التفكير لاحقًا فى المنافسة.
 


ورغم ذلك؛ نجح الفريق الأبيض فى تحويل المعاناة إلى مصدر قوة، فالمدرب واللاعبون تعاملوا مع كل مباراة باعتبارها معركة بقاء، وليس مجرد 3 نقاط فى جدول الترتيب؛ حيث ظهرت شخصية الزمالك فى اللحظات الصعبة، حين كان الفريق مطالبًا بتحقيق الانتصار تحت ضغط هائل، وفى ظل حالة من الترقب والشكوك حول قدرته على الاستمرار حتى النهاية.
 


لكن اللحظة الفارقة الحقيقية فى الموسم لم تكن انتصارًا كبيرًا، ولا مباراة قمة؛ بل ربما جاءت بعد واحدة من أكثر الليالى قسوة على جماهير الزمالك، فالخسارة أمام الأهلى بثلاثية نظيفة كانت كفيلة بإسقاط الكثير من الفرق نفسيًا، ثم جاءت الصدمة الأكبر بالسقوط فى نهائى كأس الكونفيدرالية الإفريقية أمام اتحاد العاصمة بركلات الترجيح، فى مشهد بدا وكأنه إعلان لنهاية موسم أبيض مؤلم.
 


الهزيمة الإفريقية تحديدًا تركت جراحًا عميقة داخل الفريق؛ خصوصًا أن اللقب القارى كان يمثل فرصة لإنقاذ الموسم معنويًا، ومع ذلك، حدث ما لم يكن متوقعًا؛ حيث رفض جمهور الزمالك الاستسلام.
 


ففى الوقت الذى توقع فيه كثيرون انهيار الفريق نفسيًا، خرجت جماهير الأبيض لتقدم واحدة من أهم  صور الدعم الجماهيرى فى تاريخ النادى الحديث، إذ لم يكن المشهد مجرد تشجيع تقليدى؛ بل حالة كاملة من الإيمان الجماعى بأن الفريق لا يزال قادرًا على الوقوف من جديد.
 


المدرجات امتلأت، والهتافات لم تتوقف، والدعم المعنوى تحوّل إلى طاقة حقيقية داخل الملعب؛ حيث تعامل جمهور الزمالك مع اللاعبين باعتبارهم أبناء النادى الذين يحتاجون للمساندة فى لحظة انكسار، وليس للهجوم أو التخلى عنهم.
 


والأهم أن هذا الالتفاف الجماهيرى حدث فى توقيت شديد القسوة؛ إذ لم تتجاوز المدة الزمنية بين خسارة نهائى الكونفيدرالية، ومباراة حسم لقب الدورى أمام سيراميكا كليوباترا، سوى 96 ساعة فقط.
 


أربعة أيام تقريبًا كانت كافية لتتحول الأحزان إلى وقود للقتال، ففى ليلة الحسم، لم يكن الزمالك يلعب فقط من أجل لقب الدورى؛ بل كان يقاتل لاستعادة هيبته، وإثبات أن الشخصية التاريخية للنادى لا تُقاس بحجم الأموال أو عدد الصفقات؛ بل بالقدرة على النهوض كلما ظن الجميع أن السقوط أصبح حتميًا.
 


اللاعبون دخلوا المباراة وهم يدركون أن خلفهم جمهورًا لم يتركهم وحدهم فى أصعب الظروف، وأن هذا الدعم يفرض عليهم مسئولية مضاعفة.
 


ومن هنا، ظهر الوجه الحقيقى للفريق؛ روح قتالية، إصرار، ورغبة واضحة فى كتابة نهاية مختلفة لموسم استثنائى.
التتويج بالدرع الخامس عشر لم يكن مجرد نجاح رياضى؛ بل رسالة واضحة بأن كرة القدم لا تُحسَم دائمًا بالأموال أو الأسماء الكبيرة فقط، فالزمالك فاز لأنه امتلك شيئًا آخر؛ القدرة على التماسك وسط العاصفة.
 


وربما لهذا السبب تحديدًا؛ سيظل هذا الدورى واحدًا من أكثر ألقاب الزمالك خصوصية فى ذاكرة جماهيره، لقب جاء بعد أزمات مالية خانقة، وإيقاف قيد، وحرمان من الصفقات، وبيع نجوم، وخسارة نهائى قارى مؤلم، وضغط جماهيرى وإعلامى هائل، ثم انتهى بصورة تحمل كل معانى التحدى والانتصار.
 


إنه دورى الصمود.. الدورى الذى انتصر فيه الزمالك على ظروفه قبل أن ينتصر على منافسيه.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط