لايوجد تغيير ملحوظ رغم إجراء انتخابات داخلية فى بعضها
متى تمارس الأحزاب «الديمقراطية»؟
فى خطوة تهدف لإعادة ترتيب البيت الداخلى لها، أجرت العديد من الأحزاب السياسية مؤخرًا انتخابات داخلية شاملة ومؤتمرات عامة، بهدف ضخ دماء جديدة فى مفاصل العمل الحزبى، وتجديد القيادات، وتعزيز ثقة الشارع، بما يضمن بناء أحزاب قوية قادرة على قيادة المشهد السياسى وتحقيق تطلعات المواطنين فى المرحلة المقبلة، لكن الوضع كان على النقيض فى أحزاب أخرى، ففى الوقت الذى شهدت فيه بعض الأحزاب معارك انتخابية شرسة ومنافسة ساخنة قلبت التوقعات، فضلت كيانات أخرى رفع شعار «كما كنت» لترسيخ الاستقرار عبر آلية التزكية والتوافق الشامل.
ففى «بيت الأمة حزب الوفد»، اشتعلت الأجواء الحزبية بمنافسة ساخنة للغاية حبست الأنفاس حتى اللحظات الأخيرة، وأسفرت عن عودة قوية للدكتور السيد البدوى إلى الواجهة القيادية لحزب الوفد مجددًا، وسط حراك ديمقراطى واسع وقواعد حشدت بقوة لصياغة مرحلة جديدة للحزب العريق.
وفى السياق ذاته، حسم حزب «الدستور» معركته الانتخابية على مقعد القيادة عقب جولات شهدت تفاعلًا لافتًا من الأعضاء، لتنتهى بفوز «وفاء صبرى» برئاسة الحزب خلفًا لجميلة إسماعيل فى خطوة تنظيمية مهمة.
بينما جاءت نتائج حزبين بارزين من التيار المدنى لترفع شعار الاستقرار والتوافق؛ حيث جدد حزب «العدل» الثقة فى رئيسه الحالى، النائب عبد المنعم إمام، بالتزكية الكاملة بعد أن أغلق باب الترشح دون وجود منافسين آخرين، وسط منافسة اشتعلت فقط على مقاعد الهيئة العليا بواقع 63 مرشحًا تنافسوا على 40 مقعدًا، وهو نفس المشهد الذى تكرر فى حزب «المحافظين» الذى رسخ استقراره التنظيمى بإعادة انتخاب المهندس أكمل قرطام رئيسًا للحزب، ليبقى المشهد العام متأرجحًا ومثيرًا للتساؤلات حول فلسفة الممارسة الديمقراطية داخل البيت الحزبي؛ متى تكون المنافسة الساخنة صحية؟ ومتى تصبح التزكية حكمة لحماية الكيان من الانفجار؟
هذه الموجة الانتخابية الحارة، بين منافسات الوفد والدستور الساخنة، وتوافقات العدل والمحافظين، تأتى لتكشف القشرة الخارجية لخريطة حزبية تضم 104 كيانات شرعية بقوة القانون، تعانى فى مجملها من غياب كامل عن الواقع الفعلى للشارع المصرى، بلغة الأرقام الصادمة، فلم ينجح فى استحقاق برلمان 2026 سوى 15 حزبًا فقط فى الوصول إلى مقاعد التشريع، بينما تحول 91 حزبًا إلى مجرد «أرقام فى كشوف لجنة الأحزاب»، و«أختام» مخبأة فى حقائب مؤسسيها يخرجونها فى المناسبات الرسمية فقط.
هذا الانفجار الحزبى فى العدد بدأ عقب يناير 2011، حين تم تعديل قانون الأحزاب ليصبح التأسيس بـ «الإخطار»، مما سمح بظهور نحو 60 حزبًا فى عامين فقط (2011-2013)، فكانت طفرة غير مدروسة ولدت بلا أساس حقيقى، فمعظم هذه الكيانات نبتت فى صالونات معزولة دون قواعد حقيقية أو امتداد فى القرى والنجوع، وسرعان ما سقطت فى فخ غياب العمل المؤسسى، وهو ما يظهر فى البنى الهيكلية للتيارات المختلفة، وهو ما أثبتته الاحداث تباعًا على مدى السنوات الماضية.
وعلى سبيل المثال، حزب المصريين الأحرار ، فهو حزب ولد وفى فمه ملعقة ذهب سياسية وحصد صدارة البرلمان فى 2015، لكنه سقط بسبب غياب الفكر الديمقراطى الداخلى، فالصراع داخله لم يكن على أفكار أو برامج، بل تحول إلى معركة «تكسير عظام» على السيادة والمال بين معسكر المهندس نجيب ساويرس (المؤسس والممول الرئيس) ومعسكر الدكتور عصام خليل (رئيس الحزب)، وانتهت الأزمة بتغيير اللائحة لضمان البقاء الدائم فى المنصب، و«إبعاد» الممول، ليدخل الحزب نفقًا مظلمًا أفقده كوادره وبريقه بالكامل وجعله حزبًا بلا تأثير.
أما حزب النور، فى الجانب السلفى، تستبدل الآليات الديمقراطية المدنية بمفهوم «المشورة» المغلقة التى يسيطر عليها مشايخ الدعوة السلفية؛ فالقواعد الحزبية لا تختار بل تبايع، والعضو يمارس مبدأ «السمع والطاعة» لا الاختيار الحر، مما يحول الكيان السياسى إلى جماعة مغلقة ترتدى ثوب الحزب للحفاظ على رخصتها القانونية فقط.
حتى الأحزاب التى تتربع على أغلبية مقاعد برلمان 2026، مثل «مستقبل وطن، حماة الوطن، والشعب الجمهورى»، فإنها تعانى من أزمة «القرارات الفوقية»، التغييرات القيادية فى أمانات المحافظات والمراكز لا تصعد من أسفل إلى أعلى عبر صناديق القواعد، بل تصدر فى شكل «أوامر وتكليفات إدارية» من الأعلى تفرض الانضباط والولاء، وتقتل مساحات الاختلاف والتنوع التنظيمى التى تصنع القيادات الشعبية الحقيقية القادرة على المواجهة.
محللون اعتبروا أن هذا الغياب التام للأغلبية العظمى من الأحزاب عن النزول إلى عمق الشارع والقرى، واكتفائها بـ «سياسة الصالونات»، جعل المواطن يوجه صفعة قوية للمنظومة، حيث نجح «المستقلون» فى اقتناص 104 مقاعد فى انتخابات برلمان 2026، كصرخة احتجاجية صريحة من الناخب الذى فضل منح صوته لـ «ابن دائرته» الذى يقدم له خدمات ملموسة، بدلًا من مرشح حزبى لا يعرف من حزبه سوى شعاره البراق فى التليفزيون.
داخل أروقة حزب «العدل» وحزب «المحافظين»، تتبنى القواعد التنظيمية منطقًا مختلفًا للدفاع عن مشهد التزكية ورفع شعار «كما كنت»، معتبرة أن اختزال الممارسة الديمقراطية فى وجود منافس على مقعد رئيس الحزب هو قراءة سطحية وتفتقر للعمق التنظيمى.
ويرى المؤيدون فى حزب العدل، أن حسم المقعد بالتزكية وتجديد الثقة فى النائب عبد المنعم إمام هو نتاج «توافق سياسى وضمانة لاستقرار الكيان» فى مرحلة تتطلب البناء، مستندًا إلى الثقل السياسى الذى حققه رئيس الحزب برلمانيًا بعد نجاحه فى اقتناص مقعده بدائرة التجمع الخامس عبر «النظام الفردى» الشرس بعيدًا عن حماية القوائم، وهو نفس المنطق الذى يقدمه حزب المحافظين لترسيخ الاستقرار عبر إعادة انتخاب المهندس أكمل قرطام.
كما يستند حزب العدل إلى أن الديمقراطية تجسدت بالفعل فى المعركة الانتخابية بالصندوق التى شهدت حراكًا واسعًا على مستوى القواعد والأمانات الفرعية، حيث تنافس 63 مرشحًا على 40 مقعدًا فى الهيئة العليا بإشراف قضائى كامل وحضور ورقابة من منظمات حقوقية وشخصيات عامة، علاوة على أن هناك معايير صارمة للتحول من «عضو منتسب» إلى «عضو عامل» يمتلك حق التصويت والترشح عبر اجتياز دورات تدريبية وبرامج تثقيف سياسى مكثفة، رغبة فى بناء «كوادر مؤهلة سياسيًا» لا مجرد حشد أعداد على الورق.
لكن هذا المنطق التنظيمى، ورغم وجاهته، يصطدم بمساءلة سياسية شديدة الصعوبة يطرحها المراقبون: إذا كانت الأحزاب طوال دورات كاملة من العمل والتثقيف، تعجز عن إخراج كادر واحد يمتلك الأهلية والوزن السياسى لمنافسة رئيس الحزب فى كيانات مثل العدل والمحافظين، فأين هى الكوادر القوية؟ أم أن برامج التدريب تصنع «موظفين تنظيميين» ولا تصنع «قيادات سياسية بديلة» قادرة على المغامرة كما حدث فى الوفد والدستور؟
فى تحليله للمشهد السياسى، يرى الدكتور عمرو الهلالى، الباحث فى شئون الأحزاب، أن تقييم التجربة الحزبية المصرية بـ «الفاشلة» هو حكم متسرع وغير عادل تاريخيًا؛ فنحن ببساطة لم نمنح الأحزاب فرصة «الاستقرار» لنحاسبها على «النتائج»، فمنذ عام 1908، نشأت الأحزاب فى ظل احتلال وحروب عالمية، مرورًا بثورة 1919 التى منحت السياسة روحًا جديدة، وصولًا إلى إلغاء الأحزاب عقب ثورة يوليو 1952، التى أنهت التعددية لصالح «الحزب الأوحد» (الاتحاد الاشتراكي)، وحتى عندما عادت «المنابر» فى عهد السادات، ولدت الأحزاب (كالوفد الجديد والتجمع) من رحم أحكام قضائية، لا برغبة السلطة، مما جعلها تعيش حالة «حرب بقاء» دائمة مع النظام.
ويصف الهلالى فترة ما بعد 2011 بـ «الانفجار الحزبى المفاجئ»؛ حيث استقبلت لجنة الأحزاب نحو 60 حزبًا فى عامين فقط، ورغم بريق المشهد، إلا أن هذه الأحزاب أُلقيت فى مفرمة انتخابات متتالية قبل أن تبنى قواعدها، فصارت كمن يبنى الطابق العاشر قبل وضع الأساس، والنتيجة كانت أحزابًا بلا «شارع»، وشارعًا لا يعرف من الحزب سوى اسمه.
ويوضح الهلالى، أن أحزاب الصدارة الحالية (مستقبل وطن، الشعب الجمهورى، حماة الوطن) هى «أحزاب ولاء» وليست أحزاب قواعد، فهى كيانات نشأت بقرارات فوقية، وتعتمد على «المال السياسى» الذى فرضته القوانين الحالية (القائمة المطلقة المغلقة)، مستدلا بحزب «الجبهة الوطنية» الذى حجز مقاعده فى البرلمان خلال أشهر من تأسيسه بفضل مجموعة ممولين، متسائلًا بجرأة: «أتحدى أن يعرف أعضاء هذا الحزب لائحته الداخلية».
ويرصد الهلالى ظاهرة «بيع الأختام»، حيث تتحول رخصة الحزب لسلعة يشتريها رجال الأعمال، مؤكدًا أن الإصلاح لن يتم إلا بتغيير «الثالوث التشريعى»: (الدستور، قانون ممارسة الحياة السياسية، وقانون الانتخابات)، كما أن إطلاق «المحليات» هو المصنع الوحيد لخلق قواعد حزبية حقيقية قادرة على النمو، بجانب رفع القيود عن العمل الحزبى فى الشارع والمؤتمرات والندوات.
ويختتم الهلالى رؤيته بتبرئة الأحزاب من تراجعها الحالى، معتبرًا أن غياب «البيئة الصحية» هو السبب؛ فمنع التطور عن الأحزاب حولها إلى «عزب عائلية» يسيطر فيها الممول على الجمعية العمومية، لتظل الأحزاب فى مصر مجرد «ديكور» يبحث عن فاعل حقيقى.
من واقع الجمع بين الخلفية الأكاديمية والتجربة الحزبية والتنفيذية، يطرح الدكتور رضا فرحات، نائب رئيس حزب المؤتمر ومحافظ الإسكندرية والقليوبية الأسبق، رؤية تحليلية مختلفة؛ معتبرًا أن الحديث عن غياب الديمقراطية والتزكية داخل بعض الأحزاب لا ينفصل عن غياب «المصنع الحقيقى» لإخراج القيادات.
ويوضح د. فرحات: «لا يمكن أن نطالب المنظومة الحزبية بتقديم بدائل وكوادر قادرة على المنافسة على المقعد القيادى الأول، ونحن نعيش لسنوات طويلة دون انتخابات للمجالس الشعبية المحلية، المحليات هى «المطبخ الحقيقى» للسياسة؛ هناك يحتك الشاب بالجماهير، ويتعلم الإدارة، ومن رحم الشارع يصعد ككادر حزبى يمتلك الشرعية والقوة السياسية التى تؤهله لمنافسة رئيس الحزب، وفى غياب هذا المصنع، عجزت الأحزاب عن إنتاج البديل».
ويضيف فرحات مفسرًا ظاهرة حسم مقعد الرئاسة بالتزكية فى بعض الكيانات:» أحيانًا، يكون مشهد «التوافق» على رئيس الحزب بمثابة «خطوة اضطرارية» وقرار عقلانى تلجأ إليه الجمعيات العمومية لحماية الكيان من الانفجار الداخلى وصراعات الأجنحة وتكسير العظام التى عصفت بكيانات تاريخية كبرى، لكن هذا الاستقرار التنظيمى يجب ألا يتحول إلى جمود دائم؛ بل يجب أن يستغله رئيس الحزب الحالى كفرصة لفتح النوافذ وضخ دماء جديدة وتصعيد الشباب داخل الهيئات العليا، حتى لا تتحول التزكية بمرور الوقت إلى سياسة أمر واقع تقتل الطموح السياسى داخل القواعد».
فى مواجهة حاسمة مع الأطروحات النظرية، يطرح الأستاذ ناجى الشهابى، رئيس حزب الجيل، رؤية مغايرة تمامًا ومبنية على «واقعية الأرض»، معتبرًا أن الضجة المثارة حول تغيير رئيس الحزب هى نتاج تقليد أعمى لنماذج غربية لا تناسبنا، بل إن «كل ما يأتى من أمريكا هو شر مطلق».
وأوضح الشهابى، أن أى حزب سياسى تحكمه فى النهاية لائحته الداخلية التى تقرها الجمعية العمومية؛ اللائحة هى عقد، والعقد شريعة المتعاقدين بين الرئاسة والأعضاء، وتتمثل فى مؤسسات الحزب المختلفة وهى التى تحدد طريقة الاختيار، مضيفًا: «كون أن بعض أعضاء الحزب يرون بقاء رئيسهم واستمراره، فهذه رؤيتهم الحرة ولا مشكلة فى ذلك على الإطلاق، طالما أن رئيس الحزب يؤدى دوره الوطنى بكفاءة، فالهدف الأساسى ليس مجرد تغيير الشخص، بل وجود قيادة قوية قادرة على قيادة مسيرة الحزب».
ويضيف الشهابى مهاجمًا الأفكار المستوردة قائلًا:
البعض يتحدث عن تحديد مدة الرئاسة للحزب، وهذا نظام أمريكى نرفضه؛ ولا ينبغى أن نعتبر النماذج الغربية مقياسًا لنا، حتى فى النظم السياسية المتقدمة، نجد رؤساء وزارات استمروا لسنوات طويلة دون أن يتحدث أحد عن تداول السلطة؛ مارجريت تاتشر حكمت بريطانيا لأكثر من 11 عامًا، وأنجيلا ميركل قادت ألمانيا لقرابة 16 عامًا متواصلة، ولم يقل أحد أن الديمقراطية هناك فى خطر، وفى المقابل، رأينا روسيا كيف ندمت على تغيير دستورها من أجل اللاهثين وراء الأفكار الغربية.
ويختتم رئيس حزب الجيل هجومه بالإشارة إلى واقع الأحزاب المصرية، مضيفا: «معظم الخلافات والانشقاقات داخل الأحزاب حاليًا هى خلافات مصنوعة ومفتعلة من الخارج لضرب استقرار الكيانات، انظروا إلى حزب الوفد؛ تراجع دوره التاريخى بشكل ملحوظ لسنوات منذ اللحظة التى بدأ فيها بتغيير لائحته والدخول فى صراعات تغيير رئيس الحزب بصفة مستمرة، ، لكن الاستقرار التنظيمى والالتزام باللائحة الداخلية هما الأساس، والتوافق على رئيس الحزب فى بعض التجارب هو دليل قوة وحكمة لحماية الحزب من التفتت، وليس دليلًا على غياب الديمقراطية».
ومن المنظور الأكاديمى الصارم، يطرح الدكتور إكرام بدر الدين، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، تشريحًا علميًا يربط فيه مباشرة بين غياب البدائل والمنافسة الداخلية فى كثير من الأحزاب، وبين انعدام الوزن الحقيقى لها فى الشارع والبرلمان.
ويحلل الدكتور بدر الدين المشهد قائلًا: «لدينا فى الدفاتر رقم ضخم جدًا يصل إلى قرابة 104 أحزاب، ولكن من حيث الكيف والتأثير الفعلى، المواطنون لا يعلمون شيئًا عنها، ولا يعرفون أسماء رؤسائها أو برامجها وأفكارها، لذلك، قبل أن نتحدث عن غياب الانتخابات والمنافسة داخل بعض الأحزاب، يجب أولًا أن نتحدث عن غياب تأثيرها من الأساس؛ فالناس غير مهتمة بالأحزاب، وطالما أن الجماهير غير مهتمة، فما الذى يدفع الأحزاب للاهتمام بالديمقراطية الداخلية، فالأمور بالنسبة لها أصبحت عديمة الجدوى».
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



