رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

34 سنة من الجرى فى المكان:

لماذا لا يموت فرج فودة؟!

بوابة روز اليوسف

منذ  34 سنة استشهد فرج فودة برصاصة غدر وجهل.. لكنه لم يمت.. ظلت روحه معلقة.. وأفكاره حبيسة الكتب.. والمجتمع فى أزمة.. ندور جميعًا فى نفس النقطة منذ 3 عقود.. تخيل!

 

 

السؤال الذى يفرض نفسه بقوة الآن.. لماذا لا يموت فرج فودة؟ ولماذا تبدو كلماته فى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضى وكأنها كتبت الليلة لتعلق على الأحداث الجارية، أو تحلل الظواهر المتصدرة على منصات التواصل الاجتماعي؟
 


الإجابة الصادمة والمريرة هى أن فرج فودة لا يموت.. ليس لأن الأفكار لها أجنحة أو أى من كليشيهات الخطاب الرومانسى الجميل.. ولكن بشكل واضح لأن المعارك التى استشهد فى سبيلها لم تمت بعد. 
 


تحرك الزمن.. لكن العقارب فى عقولنا تجمدت فى مكانها.. كأننا نعيش فى حلقة مفرغة نكرر فيها نفس الصرخات، ونواجه نفس طواحين الهواء.. ونحارب ذات الأشباح التى ظننا يومًا أننا انتصرنا عليها. خاض المجتمع ثورات، وغير أنظمة، وحظرنا جماعات إرهابية بقوة القانون والمواجهة الأمنية.. ولكننا نسينا أو تناسينا أن الأفكار لا تموت بالحظر القانوني.. وأن التطرف يمكنه أن يغير جلده.. ويخلع عباءة التنظيمية ليعيش كالفيروس الكامن تحت جلد المجتمع.. ينتظر أى لحظة ضعف ليطفو على السطح من جديد.
 


الحقيقة التى يجب أن نواجه بها أنفسنا اليوم دون مواربة أو تجميل هى أن بقاء فرج فودة حيًا بيننا بأفكاره ومعاركه ليس مدعاة للفخر.. بل أكبر إدانة لواقعنا.
 


نعم، يجب أن يموت بموت القضايا والملفات التى واجهها، وبانتهاء الصلاحية الزمنية للمعارك التى استنزفت دمه وحياته. نحن بحاجة حقيقية إلى اليوم الذى يصبح فيه استدعاء اسم فرج فودة مجرد طقس من طقوس الذكرى الطيبة والتقدير لمفكر شجاع غادرنا فى زمن مضى.. وليس بابًا للاشتباك اليومى المتجدد فى نفس القضايا، ومواجهة نفس الأفكار العقيمة التى تجاوزها الزمن.
 


الفن الحرام!
 


حين كان فرج فودة يحذر من تغلغل الفكر الظلامى فى المؤسسات التعليمية، كان يرى ببصيرة أن الجامعة إذا سقطت فى فخ طيور الظلام، سقط المجتمع كله..
 


 واليوم.. بعد 34 سنة.. نتابع أخبارًا عن منع عرض مسرحى فى إحدى الجامعات بحجة أن «الفن حرام» أو بدعوى الحفاظ على التقاليد، فى ارتداد صريح عن دور الجامعة التاريخى كمنارة للتنوير والحرية والبحث العلمى الحر.
 


الأمر لا يتوقف عند حدود أسوار الجامعة، بل يمتد ليشمل الفن بمفهومه الأوسع والأشمل. شهدنا فى الأيام الماضية الهجمة السلفية الشرسة والتحريض الممنهج الذى تعرض له فيلم «برشامة»، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعى إلى محاكم تفتيش معاصرة تمنح صكوك الغفران وتوزع اتهامات الكفر، لمجرد أن عملًا فنيًا «كوميديًا» يتضمن إفيهات ساخرة!
 


فى كتابه «النذير»، لخص فرج فودة هذه الحالة بدقة شديدة حين كتب:
 


«إنهم لا يحاربون الفكر بالفكر، بل يحاربون الفكر بالمنع، والمنع بالتحريم، والتحريم بالتكفير. والهدف النهائى هو صياغة عقلية قطيعية لا تناقش، ولا تجادل، بل تسمع وتطيع، وتتحرك بإشارة من أمير أو فتوى من شيخ غائب عن العصر».
 


هذا النص ليس مجرد توصيف لما كان يحدث فى ثمانينيات القرن الماضى، بل هو توصيف دقيق لما يتعرض له الفن اليوم، الهجمة المتطرفة على السينما والمسرح ليست دفاعًا عن الفضيلة، بل هى محاولة مستميتة لفرض الوصاية على الذوق العام، وإثبات أن كلمتهم هى العليا، وأن المجتمع، رغم كل مظاهر الحداثة والتطور، ما زال محكومًا بنظرتهم الضيقة للحياة والفن والجمال. 
 


قطعًا، لن نصل إلى الدولة المدنية الحقيقية إلا حين تصبح هذه الكلمات جزءًا من التاريخ المهجور.. عندما لا نجد فى مجلس نوابنا من يطالب بوقف ومنع ومحاسبة عمل فني!
 


مفاجأة.. التطرف يحكم المجتمع!
 


نجحت الدولة المصرية فى تفكيك الهيكل التنظيمى لجماعة الإخوان، وأصبح التنظيم محظورًا ومهزومًا على الصعيدين السياسى والأمني.. هذا إنجاز وطنى كبير لا ينكره أحد، لكن المعركة الفكرية تبدو وكأنها لم تحقق الحسم الفكرى الكامل بعد. 
 


فالجماعة كإطار تنظيمى قد تلاشت أو توارت، لكن مفاهيمها، ورؤيتها الإقصائية للمجتمع، ما زالت حية ترزق، وتتحرك بحرية فى الفراغات التى تركتها النخبة الثقافية.
 


هذا واقع وموجود فى التعليقات اليومية على وسائل التواصل الاجتماعى، فى طريقة الحكم على الآخرين، فى شيوع لغة الإقصاء، وفى تبرير العنف المعنوى ضد كل من يختلف فى الرأى أو المظهر فى تبرير من يتحدثون باسم الدين للتحرش!
 


أصبح التطرف «نمط حياة» غير معلن، يمارسه أشخاص قد لا ينتمون لأى جماعة إسلامية، بل ربما يعلنون عداءهم للتنظيمات الإرهابية، لكنهم فى حقيقة الأمر يفكرون تمامًا مثلهم، ويستخدمون نفس أدواتهم.
 


فى كتابه «الإرهاب»، فكك فرج فودة هذه الظاهرة مبكرًا، موضحًا أن التنظيم هو العرض وليس المرض الأصيل، حيث يقول: «الخطورة ليست فى التنظيم الذى يحمل السلاح، فالقانون كفيل به، والأمن قادر عليه. الخطورة الحقيقية هى فى البيئة الفكرية التى تبرر وجود هذا التنظيم، وفى الخطاب الذى يغسل عقول الشباب ويهيئهم لقبول فكرة أن المجتمع جاهلى، وأن الدولة كافرة. إذا حظرتم التنظيم وتركتم الفكر، فأنتم كمن يقطع أوراق الشجرة ويترك جذورها فى الأرض لتنبت من جديد فور أول قطرة مطر».
 


وهذا ما نعيشه اليوم.. بعد 34 سنة من موت فرج فودة!
 


وكأن استدعاء اسم المفكر الكبير وأفكاره لم يعد من باب «التنوير» بل من باب «إعادة التدوير» لنفس القضايا والملفات والأزمات.
 


مجتمع بلا رئة!
 


لا يمكن الحديث عن تنوير أو مواجهة حقيقية للجهل دون الحديث عن حرية الصحافة والإعلام.. كان فرج فودة ابنًا شرعيًا لمعارك الكلمة، خاض مواجهاته العميقة على صفحات المجلات والجرائد، كان يؤمن أن الكلمة الحرة والمسئولة هى السلاح الوحيد القادر على هدم حصون الخرافة والجهل. 
 


عندما تغيب الصحافة بدورها الحقيقى، والتحليلات العميقة، والآراء المتعددة، يترك الفراغ لإعلام الصوت الواحد، أو لصناع المحتوى السطحى على مواقع التواصل الاجتماعى الذين يبحثون عن التفاعل السريع وجنى الأرباح على حساب الوعى والحقيقة.. عندما تغيب الصحافة يقف المجتمع كله عاجزًا أمام نظام الطيبات!
 


كتب فرج فودة فى كتابه «حوار حول العلمانية» مؤكدًا على هذه الرابطة العضوية بين الحرية والتقدم: «إن حرية الرأى والتعبير ليست خطرًا على سلامة المجتمع، بل هى صمام الأمان الوحيد له. الخطر الحقيقى هو الصمت المفروض، والصوت الواحد، لأن غياب الحوار الحر يفتح الباب على مصراعيه للأفكار السرية، والعمل تحت الأرض، والانفجارات العشوائية التى لا تبقى ولا تذر. افتحوا النوافذ ليدخل الهواء والنور، فالظلام لا يتبدد إلا بالضوء».
 


فهل كان فرج فودة يريد الفوضى بهذا الكلام؟!
 


نحن الآن فى أشد الحاجة لاستعادة هذا المفهوم كواقع مستقر لا كقضية خلافية يتجادل حولها الناس. مصلحة المجتمع تقتضى أن نتجاوز مرحلة الدفاع عن بديهية حرية التعبير، إلى مرحلة ممارستها الفعلية لبناء دولة المستقبل، لتسقط من حساباتنا تلك المعركة التقليدية التى خاضها فودة ودفع عمره ثمنا لها.
 


مواجهة غير متكافئة 
 


لعل المشهد الأكثر سريالية وصدمة فى واقعنا المعاصر هو ما يحدث على «تيك توك»، حيث نرى مواجهة شرسة وغير متكافئة بين المؤسسة الطبية الرسمية القائمة على العلم والبحث والمختبرات، وبين سيل جارف مما يسمى «الطب النبوي» أو «العلاج بالأعشاب والحجامة» والدجل المغلف بمسوح دينية مستحبة لدى العامة.
 


حين يتحول تطبيق إلكترونى إلى عيادة كبرى يرتادها الملايين، يوزع فيها غير المتخصصين وصفات علاجية لأمراض مستعصية مثل السرطان والفشل الكلوى، مستغلين مشاعر الخوف والفقر والنزعة الدينية الفطرية لدى البسطاء، فإننا لسنا أمام مجرد مشكلة عابرة.. بل أزمة حادة وعميقة فى «التفكير العلمي» لدى المجتمع. 
عندما يهزم العلم أمام الخرافة، وعندما يثق المواطن فى وصفة مجهولة المصدر أكثر من ثقته فى أستاذ الطب بالجامعة، فاعلم أننا فى أزمة حضارية حقيقية تستدعى التدخل الحاسم.
 


كان فرج فودة من أوائل من رصدوا هذه التجارة الخبيثة بمشاعر البسطاء وآلامهم، وخصص لها فصولًا كاملة يكشف فيها زيف دعاة العلاج بالقرآن والأعشاب، والذين كانوا يتربحون من وراء ذلك مبالغ طائلة. فى كتابه الشهير «الحقيقة الغائبة»، كتب معلقًا على هذه الظاهرة: «لقد استبدلوا بوعى الناس خرافات ينسبونها للدين، والدين منها براء. إنهم يعادون العلم لأنه يكشف زيفهم، ويحاربون العقل لأنه يفضح تجاراتهم. عندما ينحى المجتمع التفكير العلمى جانبًا، ويستسلم للدجل والشعوذة تحت مسميات دينية، فإنه يحكم على نفسه بالتخلف والخروج من التاريخ، لأن العصر الحالى لا يحترم إلا من يملك المختبر والمعمل والمعادلة الحسابية».
 


انتحار المؤسسة الثقافية!
 


وفى الوقت الذى يحتاج فيه المجتمع إلى استنفار ثقافى شامل.. وضخ دماء جديدة فى عروق القوة الناعمة لمواجهة هذا السيل من الجهل والتطرف.. نفاجأ بقرارات تصدر من داخل المؤسسة الثقافية الرسمية تثير الدهشة والأسى.. وتفرح العدو.
 


بدلًا من إعلان خطة شاملة لتطوير وتحديث واحد من أعرق المهرجانات الفنية فى المنطقة، كمهرجان الإسكندرية السينمائى، نجد قرارات بوقف المهرجان أو تجميده، فى تراجع صريح للمؤسسة الثقافية عن دورها القيادى والتنويرى المفترض.
 


أيها الناس.. مهرجانات السينما والمسرح والمؤتمرات الأدبية ليست مجرد حفلات لتوزيع الجوائز أو التقاط الصور على السجادة الحمراء، بل هى حوائط صد ثقافية، ونوافذ يطل منها المجتمع على العالم ويطل العالم منها علينا.
 


إغلاق هذه النوافذ أو تقليصها بحجج إدارية أو مالية هو بمثابة إعلان استسلام غير مشروط أمام التطرف. 
 


عندما تنسحب الثقافة الجادة، تتقدم الثقافة الهابطة تلقائيًا، وعندما تغلق دور العرض والمهرجانات، تفتح زوايا التطرف ومحاكم التفتيش المجتمعية أبوابها على مصراعيها.
 


فى إحدى مقالاته المهمة التى جمعت لاحقًا فى كتاب «الملعوب»، صرخ فرج فودة محذرًا من تقاعس المؤسسات الرسمية وتراجعها عن دورها الثقافى، حيث قال: «إن الدولة التى تتراجع ثقافيًا، هى دولة تفتح أبوابها للغزو الفكرى من أرذل الجماعات، المعركة مع التطرف ليست أمنية فقط، بل هى معركة كتاب، وفيلم، ومسرحية، ولوحة فنية، عندما تغلق مؤسساتنا الثقافية مناراتها بدعوى الترشيد أو العجز، فإنها ترتكب خطيئة كبرى فى حق المستقبل، لأن ثمن بناء عقل مستنير واحد أقل بكثير من ثمن مواجهة إرهابى واحد فجر نفسه وفجر معه أحلام أمة».. هذا الانسحاب من الساحة الثقافية ووقف المهرجانات العريقة هو طعنة فى ظهر التنوير، وتقديم خدمة مجانية على طبق من ذهب لمن يريدون لهذا المجتمع أن يعيش فى الظلام.
 


لا بد أن يموت فرج فودة!
 


نعود للسؤال الأول.. لماذا يجب أن يموت فرج فودة؟
 


يجب أن يموت فرج فودة لأن بقاء أفكاره وقضاياه حية بعد ثلاثة عقود يعنى أننا فشلنا كمجتمع وكدولة فى حسم معاركنا الحضارية الأساسية.
 


نريد أن نصل إلى تلك اللحظة التى نفتح فيها كتب فرج فودة فلا نجد فيها انعكاسًا لواقعنا المعاصر، بل نجد فيها مجرد تأريخ لمعارك قديمة انتصر فيها العقل والمنطق تمامًا، ومضى المجتمع بعدها لآفاق أرحب وأوسع.
 


نريد حقيقة أن تموت الأفكار التى واجهها فرج فودة؛ أن يموت التكفير، والمنع، والوصاية، والدجل الطبى، والبيروقراطية الثقافية المهزومة. 

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط