ربما لم يحدث أن خرج المصريون على هذا النحو، ضد نظام، بعد عام واحد فقط، كما خرجوا على جماعة الإخوان، فى الثلاثين من يونيو قبل 13 عامًا، وإذا كانت الجماعة لاتزال، حتى يومنا هذا، فى حالة إنكار ولا تدرك الأمر برمته على أنه فشل تام لها، وتعده مؤامرة ضدها، لكن المؤرخين والدارسين يخضعون، هذا الخروج للبحث والتحليل العميق، معظم من عداهم، يقر الآن بفشل الجماعة، حتى أولئك الذين دعموهم من قبل، مثل رئيس الوزراء القطرى السابق الشيخ حمد بن جاسم، لكن يبقى التساؤل كيف اكتشف المصريون، مبكرا، ورصدوا ذلك الفشل، لحظة بلحظة.
واقع الحال أن الجماعة حين وصلت إلى الحكم فى يونيو 2012، كان الشعب المصرى مدركا للظرف الدولى الضاغط على البلاد والدولة، بل كان متربصا بها، رأينا ما جرى فى العراق من قبل سنة 2003، وما كان يجرى فى ليبيا الشقيقة، منذ سنة 2011، من تمزيق لوحدة البلاد وتفتيت المجتمع على أسس مذهبية وعرقية أو قبلية وجغرافية.
كان الشعب إلى جوار ذلك، على وعى تام بتاريخ هذه الجماعة الدموى وجرائمها السابقة منذ منتصف الأربعينيات، حيث أمر حسن البنا، عنصرًا نائمًا لديه باغتيال رئيس الوزراء أحمد ماهر باشا سنة 1945، فضلًا عن أن الجماعة فى كثير من المواقف الوطنية الحاسمة، كانت على الضفة الأخرى من النهر.
ولدينا العديد من الشواهد والوقائع، نكتفى منها باثنتين، الأولى اغتيال النقراشى باشا، فى ديسمبر 1948، الثانية محاولة اغتيال جمال عبدالناصر فى المنشية سنة 1954.
قد يرى البعض أن جريمة اغتيال النقراشى، هى فى النهاية اغتيال رئيس الوزراء الذى اختلفت معه الجماعة، لكن الأمر أكبر من ذلك، حين اغتيل النقراشى كان الجيش المصرى لايزال فى حالة حرب بفلسطين وكان النقراشى هو الحاكم العسكرى وهو من اتخذ قرار خوض الحرب، ومن ثم فإن اغتياله فى تلك اللحظة هو هدية صريحة إلى العدو الذى نحاربه، فضلًا عن الهبوط بالروح المعنوية لدى القوات على الجبهة، فضلا عن ضرب الداخل فى الصميم.
أمًا محاولة اغتيال عبدالناصر، فقد جاءت عقب توقيع اتفاقية الجلاء، المفروض أن إتمام الجلاء، كان يستغرق عامين، حتى 18 يونيه 56، ومن ثم فإن اغتيال من وقع الاتفاقية، يمنح الطرف الآخر فرصة التملص من الاتفاق والتراجع عنه، عمليا يعنى بقاء القوات البريطانية فى منطقة القناة.
وهنا يبدو التساؤل الكبير عن هدف عمليات الجماعة، المؤكد أنها كانت ضد مسار وصالح الوطنية والهوية المصرية.
وينبغى أن نتذكر جيدا أن كثيرًا من المثقفين والكتاب المصريين قاموا بدورهم فى كشف تلك الجماعة وخطورتها على الوطنية المصرية من طه حسين وعباس العقاد وصولا إلى فرج فودة ومحمد سعيد العشماوى ورفعت السعيد وعشرات غيرهم.
ورغم ذلك، فى لحظة عبثية، تحدث فى التاريخ أحيانا، وصلوا إلى الحكم وتقبلهم الشعب على مضض، لم ينس المصريون الماضى، ربما تناسوه، وهكذا راحوا يراقبون ويتابعون بحذر، على الطريقة المصرية (حاذر وما تخونش).
الجماعة من جانبها، فهمت الوصول إلى الحكم، على أنه نجاح لاستراتيجية الخداع والتلون، التى دأبوا عليها، فضلا عن أنهم إذا كانوا قد نجحوا فى الفوز، رغم هذا الماضى التعس، فليواصلوا على هذا النحو.
وهكذا شرعوا فى أخونة مؤسسات الدولة وسعوا إلى هدم أى مؤسسة عصية على الأخونة، ثم لجئوا إلى العنف والدم.
بين حذر المصريين وترقبهم من جانب وعنف الجماعة من جانب آخر، حدث الاحتكاك والصدام مع الإعلان الدستورى الذى أصدره الرئيس مرسى فى أكتوبر 2012.
يمكن القول أن شهر أكتوبر 12، شهد نهاية الجماعة، فقد جمعوا قتلة السادات فى الاحتفال بذكرى حرب أكتوبر 73، وكان ذلك ذروة الامتهان والاستخفاف بأهم وأول انتصار عسكرى حققه الجيش المصرى منذ حروب إبراهيم باشا، مع فارق كبير أن حرب أكتوبر كانت لتحرير أرض مصرية محتلة، ويبدو أنهم تصوروا ذلك بداية كى يسيروا على نفس النهج، فأصدروا الإعلان الدستورى، فكان القشة التى قصمت ظهر البعير.
رفض معظم رموز مصر ذلك الإعلان، لكن الجماعة كابرت واستعلت ثم أخذتها العزة بالإثم الوطنى الرهيب، ولما احتج المصريون عند قصر الاتحادية، أطلقت الجماعة أفراد الميليشيات الخاصة بهم، نحو المواطنين الأبرياء، والذى حدث أنه فى مساء الرابع من ديسمبر، اضطر الحرس الجمهورى إلى إخراج الرئيس مرسى من الاتحادية والذهاب به إلى مكان آمن، بعد أن تزايدت الاحتجاجات وباتت هناك مخاطر تحوط به، كان ذلك «كارت أحمر» من الشعب للجماعة، لم يستوعبوه، وبدلا من أن يعتذروا للمصريين عما اقترفوه بحقهم ويطلبون منهم السماح قرروا الرد بما جبلوا عليه من عنف ودم، رفعوا شعار «نحكمكم أو نحرقكم»، وأطل أحد قادة الجماعة، كان مستشارا للرئيس مرسى، ينصح المصريين عبر إحدى القنوات بتقبل الجماعة، كما هى، وقال إن الجماعة دماغهم حجر، لم يتغيروا طوال 85 عامًا، قال ذلك وهو يبتسم ببرود سمج، ونسي أن المصريين طوال آلاف السنوات لم يتهاونوا ولا فرطوا فى مصريتهم.
وصح لدى المصريين حذرهم نحو الجماعة وتوجسهم منها، هنا واصلت الثقافة المصرية دورها التاريخى بكل أدواتها فى إثارة الوعى والتنبيه إلى المخاطر التى تحيق بمصر ذاتها فيما لو استمرت الجماعة.
حين قال المصرى (حاذر وما تخونش)، فإن الحذر يكفى والخيانة فى لحظة معينة تنضح وتتكشف أمام الجميع، لا تكون موقفًا ولا وجهة نظر، بل تصبح واقعًا على الأرض، وهذا ما دفع أكثر من 32 مليون مصرى ومصرية، أن يعبروا الحذر ويخرجون إلى الشارع، دفاعا عن الوطنية والهوية المصرية، ضد جماعة أثبتت أنها لا تعرف غير الكراهية والعداء تجاه مصر.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



