الثلاثاء 30 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

في أيام الغربة قضيت سنوات من سبعينيات وثمانينات قرن مضى في العاصمة البريطانية لندن، أذهب إلى عملي فى ظلام صباح لا تشرق له شمس، وغيوم تكسي معظم اليوم بضباب سمائه، وقد سميت لندن وقتها "عاصمة الضباب".

 

فنهر التايمز يمر عبر المدينة، مما يوفر رطوبة عالية، ومع التقاء التيارات الهوائية الباردة والدافئة، يتشكل الضباب الطبيعي، بالإضافة للتلوث نتيجة الاستخدام الكثيف للفحم للتدفئة والتشغيل الصناعي، وعندما بلغ هذا التلوث ذروته من نهاية عام 1952 مما أدى إلى انعدام الرؤية التام، فدفع هذا الحدث البرلمان الإنجليزي إلى سن قوانين الهواء النظيف مما ساعد في تحسين جودة الهواء لاحقاً بعد سنوات طويلة، لكن لم تكن بريطانيا تعرف الحر إلا في السنوات الأخيرة بعد أن فاجأت الظواهر التاريخية العالم.

 

سافرت هذا الأسبوع إلى لندن كعادتي كل صيف هروبا من حرارة الصيف في شهري يوليو وأغسطس بمصر، لكني سقطت في قلب أعنف موجة حر تاريخية تشهدها لندن وأوروبا، والسبب هو ظاهرة "حاجز أوميجا"  Omega Block  الجوية التي تضرب القارة حالياً.  

 

تستمد الظاهرة الجوية اسمها من شكل الحرف اليوناني، وهي الحرف الرابع والعشرون وعلامته في الأبجدية الإغريقيّة Ω وتعني حرفياً العظيم، كناية عن الطقس المتطرف الذي تنحصر فيها كتلة مستقرة من الهواء الساخن ذات الضغط الجوي المرتفع بين نظامين من الضغط المنخفض الأكثر برودة، وأودى بحياة 40 شخصاً في فرنسا وحدها، هذه المفارقة المناخية حقيقية تماماً وتمر بها بريطانيا الآن، فالنظام يعمل  كـ"قبة حرارية" ثابتة تمنع دخول أي رياح باردة من المحيط الأطلسي، وتقوم بسحب الهواء الساخن مباشرة من الصحراء الكبرى في إفريقيا ليتراكم فوق لندن، لتسجل درجات حرارة قياسية غير مسبوقة لشهر يونيو اقتربت من الـ37 إلى 40 درجة مئوية، متجاوزة أرقاماً صمدت لنصف قرن. بالإضافة للبنية التحتية والمنازل في بريطانيا المصممة لحبس الحرارة وليس طردها، ونسبة البيوت التي تمتلك تكييفاً هناك لا تتعدى 20%.

 

بالإضافة للرطوبة الخانقة، فطبيعة الطقس الإنجليزي تجعل الحرارة مصحوبة برطوبة عالية، مما يزيد من الشعور بالاختناق، وإذا كنت من فقراء الله الصالحين، واضطررت لاستخدام حافلات النقل العام وهي بدون نوافذ فأنت في جهنم على الأرض، وخطوط "مترو لندن" The Tube القديمة غير مكيفة وتتحول في هذه الأيام إلى أفران حقيقية تصل حرارة أرصفتها إلى 60 مئوية.

 

في فرنسا  أوقفت شركة الطاقة الفرنسية الرئيسية، الخميس الماضي مفاعلين نوويين بإجراء لحماية البيئة، في حين دعت بلدية باريس السكان إلى توخي الحذر، وسط موجة حرّ قياسية تضرب البلاد وأجزاء واسعة من غرب أوروبا، تسببت في سقوط عشرات القتلى، وانقطاع الكهرباء، وإغلاق مرافق عامة في إسبانيا، وإيطاليا، وبريطانيا.

 

وقد سجلت  فرنسا، يومها أشد الأيام حرّا منذ بدء قياس درجات الحرارة عام 1947، إذ تجاوزت الحرارة في باريس 40.3 درجة مئوية، وهي المرة الرابعة التي تتجاوز فيها 40 درجة خلال 150 عاما.

وقد طالب عمدة باريس إيمانويل جريجوار، الخميس، السكان إلى توخي الحذر، مطالبا من تتراوح أعمارهم بين 50 و70 عاما أن يحموا أنفسهم بالبقاء بمنازلهم.

بعد أن بلغت حصيلة الوفيات منذ بداية موجة الحر ارتفعت إلى ما لا يقل عن 45 شخصا لقوا حتفهم غرقا، و3 أطفال داخل سيارات. بالتزامن مع ذلك، أعلن عمدة باريس أن عدد الوفيات في العاصمة يتزايد، من دون تقديم أرقام محددة.

وفي إيطاليا 5 وفيات، وفي إسبانيا.. أكثر من 200 ضحية بيانات وجود أكثر من 212 وفاة مسجلة بين يومي الأحد والأربعاء الماضيين.

 

الظاهرة تعمل على تضخيم آثار الاحترار العالمي، ما يؤدي إلى تسجيل درجات حرارة أعلى وفترات حر أطول من المعتاد، مع ما يرافق ذلك من ضغوط على البنية التحتية والصحة العامة والأنشطة الاقتصادية.  

 

هذه الظروف الجوية القاسية إلى أنماط الغلاف الجوي ودوران الهواء التي تُبقي الهواء الساخن محصورا في مكانه لأيام، وتتفاقم هذه العوامل بفعل الاحترار المناخي.

 

ويبقى السؤال هل يقف تغير المناخ وراء الظاهرة؟.. والإجابة لا يزال العلماء يدرسون العلاقة المباشرة بين تغير المناخ وتكرار ظواهر "حاجز أوميجا"، ولم يُحسم بعد ما إذا كانت هذه الأنماط الجوية أصبحت أكثر شيوعاً بسبب الاحترار العالمي. لكن ما يحظى بإجماع علمي واسع هو أن تغير المناخ يجعل موجات الحر أكثر تكراراً وأشد تأثيراً. فقد ارتفعت حرارة الأرض بنحو 1.3 درجة مئوية مقارنة بفترة ما قبل الثورة الصناعية نتيجة انبعاثات غازات الدفيئة الناتجة عن حرق الفحم والنفط والغاز.

توضح كلير بارنز، الباحثة في الظواهر المناخية المتطرفة بكلية إمبريال كوليدج لندن، أن موجات الحر الحالية في أوروبا أصبحت أكثر سخونة بما يتراوح بين درجتين وأربع درجات مئوية مقارنة بما كانت ستكون عليه لولا تأثير الأنشطة البشرية على المناخ.

 

إن العالم يعاني من كتلة هواء ساخن تتحرك وتنتج فقاعة حرارية مع إعصار قوي جداً، وتتسبب في ارتفاع درجة الحرارة على الأرض وجفاف جوي.. نأمل تسارع التيار في الغلاف الجوي لدفع الفقاعة وتبديدها.

 

تم نسخ الرابط