عندما خلق الله تعالى السموات والأرض، وضع السنن في الكون، ومنها عدة الشهور وفيها أربعة حرم: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) التوبة 36.
ومعرفة الشهور تكون بالحساب: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) يونس 5.
في قوله تعالى: (يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ)، هذا التحريم وضعه تعالى قبل خلق الإنسان والذي سيقوم بتفعيل هذا التحريم، وفي قوله تعالى: (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ)، يعني انتهاك الاشهر الحرم بالقتال أو بالصيد هو ظلم للناس لأنه ضد الأمن ونظام البيئة.
وتأتي كلمة حرم متعلقة بالقتال: (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) البقرة 217، كما تأتي كلمة حرم متعلقة بالصيد: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) المائدة 1، يعني في الأنعام التي يتم تربيتها وهي الماشية، وفي الأنعام البرية التي يتم اصطيادها.
وفي قوله تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ)، كلمة بهيمة تعني صغار الأنعام التي تم فصلها عن أمهاتها واعتمدت على نفسها في الأكل، بمعنى أن صغار الأنعام في مرحلة الرضاعة تأخذ حكم التحريم لأنه لم تفصل عن أمهاتها، وهذا للمحافظة على الأنعام من الإنقراض، ولذلك جعل تعالى أربع أشهر حرم لتحريم الصيد فيها، ومنع القتال حتى لا يقوم الجنود باصطياد الحيوانات.
وأكد تعالى على ذلك: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) المائدة 96.
الأشهر الحرم مرتبطة بالمحافظة على الإنسان وعلى البيئة، ولذلك وصف تعالى الدين بالقيم: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) الروم 30.
والفطرة من أسس الدين القيم الذي يحدد المعاملات مع الناس ومع البيئة، وإذا اختل النظام البيئي في الأرض فستتحول أجزاء منها إلى بلد ميت: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسَقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ) فاطر 9.
الأشهر الحرم محرم فيها الصيد لأنها أشهر تزاوج الحيوانات البرية، وعند ترك الصيد بلا قيود سيحدث تدريجياً تصحر للأراضي.
ومن العوامل الرئيسية في انتشار النبات وبذور الأشجار وجود الحيوانات التي تأكل النباتات والثمار وتخرج البذور مع مخلفاتها، وهو ما يسمى بالسماد العضوي والذي يصبح غذاء لنمو البذور.
وعند قتل الحيوانات بالصيد المستمر يقل تكاثر النبات، وبالتالي تموت الأشجار ويحدث التصحر، ولذلك يرتبط الصيد بالتوازن البيئي وهذا مرتبط بتكاثر الحيوان والنبات في الأرض.
وعند الإمساك بالصيد في الأشهر الحرم يجب أن يتم إطلاقه مخافة لله بالغيب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) المائدة 94، يعني عدم الصيد في الأشهر الحرم هو عبادة لله تعالى.
الشهر الحرام في القرآن الكريم جاء معبراً عن عدة الأربعة أشهر الحرم: (يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍۢ فِيهِ قُلْ قِتَالٌۭ فِيهِ كَبِيرٌۭ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِ) البقرة 217.
الأشهر الحرم في القرآن جاءت مرة نكرة: (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ)، لم يقل تعالى: "منها الأربعة الحرم"، فقد جعلها غير محددة لأنها قبل خلق الإنسان، ثم جاءت هذه الأشهر معرفة ومحددة في قوله تعالى: (فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) التوبة 5.
والأشهر الحرم هي أربعة أشهر متتالية تنسلخ عن بعضها بتتابع، وهي مهلة للمعتدين ليوقفوا اعتدائهم، والمهلة لا تتم بتقطع بل بتتابع مستمر للمدة الزمنية.
وهذه الأشهر الحرم سمى تعالى عدتها بالشهر الحرام، وذلك بعملية عد أربعة أشهر مرتبطة بفترة الحج: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) البقرة 197، وهي معلومات لارتباطها بالأشهر الحرم، ولأن الأشهر الحرم متتالية فقد ذكرها تعالى باعتبارها مرتبطة كشهر واحد في تحريمها للقتال والصيد.



