ليس من قبيل المصادفة أن تتقدم قضية الإعلام إلى صدارة أولويات الدولة المصرية في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخها، فالدول لا تخوض معاركها بالسلاح وحده، ولا تنتصر بالاقتصاد وحده، وإنما تنتصر أيضًا بقدرتها على امتلاك روايتها، والدفاع عن حقيقتها، وصناعة الوعي العام الذي يحول بين المواطن وبين الوقوع أسيرًا للشائعة أو التضليل أو حملات التشكيك المنظمة.
لقد تغير العالم، لم تعد الحرب تبدأ بإطلاق رصاصة، وإنما قد تبدأ بخبر كاذب، أو مقطع فيديو مفبرك، أو منشور مجهول المصدر ينتشر في دقائق، فيصنع ارتباكًا يفوق أحيانًا ما تصنعه الأزمات نفسها. ولهذا لم يعد الإعلام مجرد مهنة، بل أصبح أحد خطوط الدفاع الأولى عن الدولة الوطنية، وأحد أهم أدوات حماية الأمن القومي، ليس بالمفهوم الأمني الضيق، وإنما بالمفهوم الشامل الذي يحفظ استقرار المجتمع وثقة المواطن في مؤسساته.
ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن فهم الاهتمام الكبير الذي يوليه الرئيس عبد الفتاح السيسي لملف الإعلام. فمن يتابع لقاءاته وتوجيهاته يدرك أن القضية بالنسبة إليه لا تتعلق بإنشاء قنوات جديدة أو تطوير استوديوهات حديثة، وإنما ببناء إعلام قادر على أن يكون شريكًا في مشروع الدولة، وحارسًا للوعي، ومنصة للنقاش المسؤول، ونافذة للحقيقة.
وحين دعا الرئيس، خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة، إلى فتح حوار إعلامي موضوعي يقوم على النقاش وبناء الوعي في إطار من الاحترام والتفاهم، وإلى فتح المجال أمام الإعلام الذي يستوعب الرأي والرأي الآخر، فإنه كان يضع قاعدة لا غنى عنها لأي إعلام يريد أن يحظى بثقة الناس، فالثقة لا تُفرض بقرار، ولا تُصنع بالشعارات، وإنما تُبنى عندما يشعر المواطن أن الإعلام ينقل الحقيقة كما هي، ويستمع لكل رأي وطني، ويجعل من الاختلاف وسيلة للوصول إلى الأفضل، لا ساحة لتبادل الاتهامات.
وكان لافتًا أيضًا أن يوجه الرئيس بعقد اجتماع سنوي في الثالث من ديسمبر، تحت رعايته، لمراجعة أوضاع الإعلام المصري، ومناقشة تحدياته وفرصه، والخروج بتوصيات عملية لتطويره. فالرسالة هنا واضحة؛ الإعلام ليس ملفًا موسميًا يُفتح عند الأزمات، وإنما قضية مستمرة تستوجب التقييم والتطوير والمراجعة الدائمة.
وقبل ذلك، وفي اجتماعه مع المسؤولين عن الملف الإعلامي بحضور رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، رسم الرئيس ملامح مشروع متكامل لتطوير الإعلام الوطني، مؤكدًا التزام الدولة بحرية التعبير، واحتضان الآراء الوطنية كافة، والاستعانة بالخبرات والكفاءات، مع أهمية إتاحة المعلومات، خصوصًا في أوقات الأزمات، حتى لا تترك الساحة للتكهنات أو الاجتهادات غير الدقيقة.
وهنا تكمن القضية الأساسية.. فلا يمكن أن نطالب الإعلام بأن يكون دقيقًا، بينما تظل المعلومة حبيسة الأدراج. ولا يجوز أن نلوم وسائل الإعلام على انتشار الشائعات إذا كانت الحقيقة تصل متأخرة، أو تأتي مبتورة، أو تغيب تمامًا، إن الفراغ المعلوماتي لا يبقى فراغًا طويلًا، بل تملؤه الشائعة بسرعة مذهلة، وحين تنتشر الرواية غير الصحيحة يصبح تصحيحها أكثر صعوبة من منع انتشارها منذ البداية.
إن الدولة الحديثة لا تخشى المعلومة، بل تديرها. والمؤسسات القوية لا تتردد في مخاطبة الرأي العام، لأنها تدرك أن الشفافية المنضبطة تعزز الثقة، بينما يفتح الغموض الباب أمام التأويلات. ولهذا فإن توفير المعلومات الدقيقة للإعلام يجب أن يصبح جزءًا أصيلًا من ثقافة العمل الحكومي، لا استجابة استثنائية لضغط الأحداث.
وبالقدر نفسه، فإن الإعلام مطالب بأن يراجع أولوياته، فليس كل ما يحقق انتشارًا يخدم الوطن، وليس كل ما يثير الجدل يضيف قيمة. لقد أرهقت بعض المنصات المشاهد بصراعات لا تنتهي، ومناظرات لا تنتج فكرة، ومشاحنات لا تضيف معرفة، وغاب عن كثير منها أن وظيفة الإعلام ليست رفع مستوى الضجيج، وإنما رفع مستوى الوعي.
الإعلام الذي تحتاجه مصر اليوم هو إعلام يقترب من الناس، لا إعلام يبتعد عن قضاياهم، إعلام يناقش الاقتصاد بلغة يفهمها المواطن، ويتابع التعليم والصحة والإنتاج والاستثمار، ويراقب أداء المؤسسات بعين ناقدة ومنصفة في آن واحد، فإذا كشف خللًا، لم يكتف بإبرازه، بل بحث عن أسبابه، وفتح الباب أمام أهل الخبرة لتقديم البدائل، لأن النقد الذي لا يقود إلى إصلاح يظل ناقصًا.
ولا يمكن الحديث عن إعلام قوي من دون كوادر قوية. فالمهنة تتغير بسرعة لم تعرفها من قبل، الذكاء الاصطناعي، والصحافة الرقمية، وتحليل البيانات، والتحقق من المعلومات، أصبحت أدوات أساسية لا غنى عنها، ولذلك فإن التدريب المستمر لم يعد خيارًا، بل أصبح شرطًا للبقاء.
كما أن إعداد جيل جديد من المتحدثين الرسميين القادرين على التواصل السريع والواضح مع الإعلام يمثل ضرورة لا تقل أهمية، لأن الحقيقة إذا تأخرت، سبقتها الشائعة.
ويبقى البعد الأخلاقي هو الضمانة الكبرى. فالإعلام لا تحميه القوانين وحدها، وإنما تحميه أيضًا ضمائر أصحابه. ومن هنا تأتي أهمية وجود ميثاق مهني واضح، يجعل احترام الحقيقة قيمة عليا، ويجرم التلاعب بالمعلومات، ويرفض التشهير والإثارة الرخيصة، ويفصل بوضوح بين الخبر والرأي، ويجعل مصلحة الوطن والمواطن فوق أي حسابات تتعلق بالمنافسة أو نسب المشاهدة.
إن مصر لا تحتاج إلى إعلام يصفق، كما لا تحتاج إلى إعلام يهدم. إنها تحتاج إلى إعلام يفكر، ويحلل، ويسأل، ويقترح، ويختلف في إطار المسؤولية، ويتفق على أن هذا الوطن أكبر من أي خلاف، وأن الحفاظ على تماسكه مسؤولية مشتركة.
لقد وضع الرئيس الخطوط العامة لخارطة الطريق، ويبقى التنفيذ مسؤولية الجميع؛ الدولة بمؤسساتها، والإعلاميون بخبراتهم، والجامعات بمناهجها، والنقابات بمواثيقها، والمجتمع بإيمانه بأن الكلمة الصادقة ليست ترفًا، بل إحدى دعائم الدولة الحديثة.
وعندما يلتقي الحق في المعرفة مع المسؤولية الوطنية، وتلتقي حرية الرأي مع المهنية، وتلتقي سرعة المعلومة مع دقتها، يصبح الإعلام قوة بناء لا قوة هدم، ويستعيد دوره التاريخي بوصفه أحد أعمدة الدولة المصرية، وصوت المجتمع، ومرآة الحقيقة.



