في مجموعة "صلات علم فكر فن" التي ضمني لها الراحل الكبير أستاذ الهندسة الوراثية والمثقف المصري النبيل د. أحمد شوقي حوارات فكرية متصلة لمجموعة من أساتذة الجامعة المصرية والكتاب والعلماء والإعلاميين والسفراء، وهي مجموعة نظمها سفير مصر الأسبق لدى اليونسكو وأستاذ الهندسة بجامعة عين شمس أ.د. محسن توفيق، والذي أراد خلق فضاء متسع لنقاش جاد منضبط وحيوي وحر وعلمي وثقافي، وتكاد تكون صلات بالمصادفة وبهذا الجمع الذي تنادي كي يجتمع بها مركز من مراكز التفكير المصرية.
وفي صلات أدب للحوار ونقاش لا يقبل إلا ما هو جاد، وفيها حقاً رؤى وطنية رفيعة المستوى وأحدثها ما طرحه د. محسن توفيق عن الأوكتاجون، هذا الإنجاز المصري العملاق، وقد طلبنا منه نشر ما كتب فقال أكتب لكم وأنتم صوتي عندما تصدقون، وقد رأيت هذا القول دعوة وموافقة لإطلاق بعض من هذا النور للرأي العام، وفي ذلك الحدث الجلل قال د. محسن توفيق مقالاً أردت أن أنقل منه قدراً ممكناً لأنه يمثل لي إضاءة مختلفة على مشكلة الإدارة الثقافية وفضاء الحوار المنفجر حول وزارة الثقافة المصرية:
"الأوكتاجون المصري.. هل يصبح العقل السيبراني للدولة؟
من الناحية العلمية فإنني أنظر على "الأوكتاجون" كأداة هندسية للتعامل مع المنظومة المعقدة للدولة وحوكمتها.
فمقر القيادة الاستراتيجية الجديد للدولة المصرية "الأوكتاجون"، يمثل طفرة في معمار السيطرة والتحكم.
لا شك أنه يتجاوز المفهوم التقليدي للمنشآت العسكرية ليصبح "العقل الإلكتروني الشامل" لإدارة مفاصل الدولة.
وتكمن القيمة الفائقة لهذا الصرح في بنيته التحتية الرقمية السيبرانية المختصة تحت الأرض، ومراكز البيانات الفائقة، وشبكات الألياف الضوئية المشفرة والمتنقلة تماماً في الفضاء السيبراني العام لضمان استمرارية الدولة تحت أي ظرف معقد.
تشتغل هذه المنظومة الهجينة من خلال عتاد حوسبة فائق القوة وتطبيقات مخصصة للذكاء الاصطناعي ومعالجة البيانات الضخمة Big Data.
ثم يستطرد ليراه إنجازاً في حوكمة الاتصالات الحكومية، لأن هذا الدمج في تقديره يمنح المركز القدرة على رصد العلاقات غير الخطية والأنماط الخفية بين آلاف المتغيرات المتشابكة للمنظومة المعقدة في نفس الجزء من الثانية، مما يجعله استثمارا سيادياً وتكنولوجياً فائق الكلفة (مليارات الدولارات) والقيمة فيه مضافة لدعم اتخاذ القرار في الدولة، صُمم خصيصاً كأداة عليا لدعم اتخاذ القرار وتفكيك "جزر البيانات المنعزلة".
ولكن أمام هذا الاستثمار التكنولوجي الفائق يبرز التساؤل عما إذا كانت الحكومة ستستثمر هذا العقل الرقمي وتسترشد بمقترحاته وسيناريوهاته لتعديل السياسات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة.
فهل تنتظر ذلك حقاً؟
وقد تأملت ذلك الرأي فيما هو جارٕ الآن في مسألة حوكمة وزارة الثقافة المصرية ليصبح مجدداً مطروحاً أمام الدولة والحكومة المصرية مسألة حسم الأسئلة التقليدية عن وزارة الثقافة: فهل هي وزارة مسؤولة عن الدعم الثقافي أو بتعبير آخر هل تقدم خدمة ثقافية للجمهور العام في مصر؟
أم أننا نستهدف الاستثمار الثقافي والعائد المادي؟
هل بالفعل ما زلنا نؤمن بأنه لا تنمية مستدامة في مصر بلا تنمية ثقافية؟ ذلك أن الثقافة هي الروح التي تحرك طاقة المنظومة المتكاملة في الاقتصاد والصناعة والتجارة والسياسة والعلاقات الدولية، ذلك أن الثقافة هي صانعة السلوك العام المسؤولة عن ترتيب أولويات المجتمع ونظرته للأفراد ومكانتهم وترتيب سلم القيم في الأخلاق العامة.
هل ما زلنا نصدق حقاً أهمية القوة الناعمة المصرية في ضرورة حضور مصر عربياً ودولياً؟
هل نحتاج لأن نتذكر الدور القيادي المحوري المصري في الوطن العربي عبر الثقافة؟
هل نحتاج لتأمل جديد في حضور الولايات المتحدة الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى الآن لندرك بما لا يقطع شكاً أنه حضور صنعته القوة الناعمة الأمريكية لتصنع صورة البطل الأمريكي المنقذ، ولتقوم بخلق أنماط سلوكية وطرق في الحياة اليومية للسلوك والعيش، بل وفي صناعة الأحلام؟
هل نحتاج حقاً لتذكر الحضور المصري الكبير في الصناعات الإبداعية الثقافية في المسرح والسينما والدراما التليفزيونية والموسيقى والغناء وصناعة النشر؟
هل حقاً لا نلحظ غياب تلك الصناعات الأساسية التي كانت هي المتن الأول في وزارة الثقافة المصرية وامتداد تأثيرها على نوعية رأس المال الفني الإبداعي الخاص؟
هل حقاً لم نلحظ أننا تقريباً ولمدة ربع قرن من الزمان نرعى فنون أداء الهامش السهلة التي وقودها أجيال شابة دفعت ولا تزال تدفع شلالات من طاقة الشباب المبدع، لتعبر دون أن تصنع حساسيات جديدة ذات طابع جماعي مؤثر؟
فقط يدخل عدد محدود منهم عالم النجوم بشروط مؤسسات التجارة الفنية التي يكتب ضدها النقاد ليل نهار.
ثم لماذا نستهلك الخبرات الكبرى في دوائر النزاعات المصطنعة لتبقى مسألة اختيار قادة للمؤسسات الثقافية معضلة كبرى؟
هل حقاً لا يمكن استعادة الدور وإتاحة الخطط للمشروعات الكبرى الثقافية؟
هل سنستمر في دوائر مغلقة يبدو معها الفعل الثقافي محاولات، مجرد محاولات يحيط بها صمت البيروقراطية الثقيل الدافع لاكتئاب الحرمان للخبرات الكبرى من القدرة على الإبداع؟
هل ستبقى مسألة تعاون مؤسسات الدولة الثقافية معجزة بعيدة المنال، مع بعضها البعض، ومع باقي المؤسسات الأخرى في الدولة والمجتمع المدني؟
إنها أسئلة أود أن أطرحها على العقل الجديد في الدولة، وأذكر نفسي وجيلي والأجيال التي سبقتنا والأجيال الجديدة، أن مصر الكبيرة تستطيع.
وأن وزارة الثقافة المصرية هي وزارة في دولة عظمى ثقافياً وأنها تملك كل ما يؤهلها للنهوض التام، فقط يجب إجراء التأمل الإبداعي والمعادلات الخطية اللحظية بكامل البيانات كي يمكن للحكومة المصرية الاستفادة من الأوكتاجون في نهضة ثقافية شاملة.



