الفنان التشكيلي محمد خضر ومعرضه "ترانزيت" بقاعة أوبنتو
كتبت - سوزى شكرى
يفتتح معرض الفنان التشكيلي محمد خضر تحت عنوان "ترانزيت" وذلك بجاليرى "أوبنتو" بالزمالك يوم الأربعاء القادم 13 مارس 2019 الساعة السابعة مساء ويستمر المعرض 2 إبريل 2019.
حين بحثنا عن معنى كلمة "ترانزيت" فى المعجم وجدناها تعنى الأنتظار فى مكان بدون دفع رسوم اضافية "، وهذا يعنى انه انتظار متفق علية مسبقا فى مسار الرحلة ، ولكن ماذا عن انتظار حدث بفعل القدر هبوط اضطرارى للرحلة أيضا ليس له رسوم اضافية ،لكن هذا الهبوط له سلبيات وله ايجابيات وله تفسير أخر فلسفى ، فكلما سمعت جملة "ترانزيت" أجدها أحد أجمل العبارات التى نواسى بها أنفسنا وأرواحنا، فحين نمر بمأزق مرسل من الأقدار او مازق من صنع الآخرين، ندرك بعد فترة ان هذا المآزق بكل ما فية كان وقفة انتظار لا بد منها من اجل مراجعات النفس ويصاحبها متغيرات، وحين نصل إلى الحقائق، نطلق على تلك الفترة السابقة انها كانت اشبة بترانزيت او فترة مؤقتة، تماماً كما فى رحلات السفر رغم ان تذكرة السفر محددة بموعد بداية الرحلة ونهاياتها، إلإ ان تذكرة السفر تتشابه مع ورقة اليانصيب والحظ، فى الرحلة قد تجد نفسك فى مكان وزمان لم تكن تقصده، فى الرحلة لقاء مع بشر مجبر كل منكم على الآخر، قد تخرج من المكان بلا ذكرى، وقد تخرج منه بحياة جديدة ، من هذا المضمون الفلسفى وقفة وأنتظار للتامل أو "ترانزيت" سوف يعرض الفنان التشكيلى محمد خضر فى معرضة الجديد مجموعة من لوحاته التصويرية يقدم طرح تشكيلى وتقنى عن علاقة الانسان بالمكان مستعيناً بادواته الفنية والوجدانية .
وعن القراءة النقدية لأعمال الفنان التشكيلى محمد خضر كتبت الكاتبة والناقدة "منى عبد الكريم" تحت عنوان " ترانزيت " :
على الحافة بين الغياب والحضور.. غياب الألوان وحضورها على استحياء.. بين مساحات الفراغ البيضاء التي هَرِبت من سطوة الأسود المتحرر من خوف وجوده وحيداً على المسطح التشكيلي .. في تلك المنطقة الواقعة بين الانتظار والاستعداد للرحيل .. تلك المساحة الفاصلة التي نطلق عليها ترانزيت تتجلى معانى جديدة .. حيث نقف على المحك لنعاود الترحال .
الآن ينسحب اللون القوي الذي طالما ميز تجربه الفنان محمد خضر الذي سبق وأن قدم تجارب عدة عكست طاقة لونيه هائلة وتحكم في مختلف الخامات كالباستيل والسوفت باستيل والأكواريل والإكريلك وألوان الزيت.. والأهم تطويعها لتُعبر اللوحة المتفجرة بالألوان عن حالتي طرفي النقيض.. حالة الحركة والتحرر أو السكون التام والهدوء الذي يدعو للتأمل كما في معرضه السابق "سكون"، أو كما حدث في قراءته العميقة لمفردات وسط البلد المعمارية كما في تجربته "آفاق وسط البلد".
فى "ترانزيت" يقدم خضر أعماله متخلياً عن الألوان - إلا فيما ندر- فيترك لعين المتلقي محاورة العمل من منظور مختلف معتمدا على عناصر التشكيل الأخرى .. مؤكداً على براعته كمصور محنك يترك فرشاته الملونة مبتسماً .. ومكتفياً بالأبيض والأسود والرماديات، ومرتكزا بالأساس على معارفه التصويرية بالكتلة والفراغ والظلال والحوار بينهما في مقابل التلوين.. أما على الجانب الآخر فهو يقف أيضا على القيمه بين الحركة والسكون التام، ويؤكد على حالة الانتظار بكل دلالاتها.. هذا الانتظار الذي يمنحنا فرصة كبيرة للتأمل .
فالفنان محمد خضر مُتأمل بطبيعته وتنعكس تأملاته بامتياز في عالمه الذي يقترب فيه كثيراً من روح الإنسان، شخوصه في الغالب متأملة يلفها الصمت، تسرح في الأفق البعيد، أو تجلس في سكون المستكشف لتستمع إلى نغمة الكون الهاربة، عندما نري حركة الجسد الهادئة المسترخية بأعماله نتأكد أنه إنما يعنيه الباطن، وليس ثمة ضجيج على الإطلاق في أعماله، حتى حين تخرج إلى الشارع الفسيح في منطقة من أكثر المناطق زحاماً وصخباً - وأعني بذلك منطقة وسط البلد- حيث اختار موقع مرسمه بعناية، فإنه أيضا يقدم المدينة من منظور عالمه الساكن القريب من الروح، إذ يصور الشوارع التي تجول بينها مئات المرات دون بشر في تلك اللحظات التي تظن أنها في الغالب في الصباحات الباكرة أو عقب سقوط الأمطار، إنها تلك اللحظات التي تعتقد فيها أن المدينة أجمل ما يكون حين تغيب عنها تلك الأجساد التي أنهكتها بضجيجها، وفي هذا السكون حياة من نوع ما، حياة خفية تبحث عنها في الممرات في المباني لتطرح تساؤلاً .. ترى من يسكن تلك المدينة الحالمة !! تلك التي تراها أيضا في حالة تأمل عميق تنتقل إليك عبر اختياره الواعي لمنظور يأخذك لأبعد نقطة في العمق .. والفنان هنا أجاد القدرة على سحب المتلقي لما وراء السطح ببراعة .
وبالنسبة لخضر فإن ارتباطه بالمكان والناس يتجاوز ما قدمه في أعماله، إذ يرى أن هناك أماكن وأشخاص تَمر به لتضيف إليه، تلك الطبيعة والأفراد التي لم تخرج في مسطحه التشكيلي وإنما هي المُلهم والمُعلم بألوانها وملامسها وسلوكها، لتُثريه فيدمُج أماكن أخرى بشخوص متعددة .
يمنح خضر روحه لتسجيل حضور المكان أو حضور الشخوص في بطولات فردية، إذ يستمع للحوارات الخفية لكل منهما، فمثلا نجده يستمع إلى أبطال أعماله في علاقتهم بأشيائهم الخاصة، فيسجل خلجات أنفسهم، يكشف عن ماضيهم والشجن الخفي، وحديث الروح، والحلم الذي لم يتحقق، أو ببساطة عما لا تراه العين في العادة، وأحيانا نراه يترك البطولات الفردية في مقابل حوار آخر بين الإنسان والمكان فى تجارب تعتمد على تسجيل اللغة الجسدية أكثر من تعبير الوجه .. إذ أن أصل الموضوع هو الإنسان بدون تفاصيل... والأهم علاقة الإنسان بالمكان.
دائما ما يترك محمد خضر الأشياء تتراكم بداخله لتنضج تماماً قبل أن تخرج في شحنات مكثفة على مسطحه التشكيلى، فهو في الغالب يشتبك مع العمل اشتباكاً لا ينفض إلا بانتهاء تلك الفكرة التي تشغله لأنه مجرب بالأساس، فما من تجربة يقدمها إلا وتحمل في طياتها مبحث فني، يُطرح بعيدا عن ضجيج الكلمات، إذ عالج من قبل العديد من المباحث الفنية المهمة التي بدأها باستكشاف ما انتهت إليه التأثيرية الحديثة، وإذا ما كان هناك ما يمكن إضافته إليها، أم أن جملتها التشكيلية قد اكتملت بالفعل، ثم قضية خط الأفق في علاقته بمباني المدينة بحثاً عن بصمة مميزة للمعمار يمكن من خلالها تحديد هوية المكان تماماً مثل بصمة الإنسان وعالج قضية الصراع القائم بين الرسام والمصور وتلك العلاقة المتداخلة للغاية بينهما وحول ما يميز كل منهما عن الآخر لاسيما في علاقة الخط بالمساحة اللونية ..
في معرضه الحالي "ترانزيت" يكتفى الفنان بخامتي الأكريلك والزيت، إلا أنه لم يكف عن التجريب الذي اتضح - ليس فقط من خلال تخليه عن الألوان، ولكن أيضا في الأحجام المتنوعة، إذ تبدو المجموعة صغيرة الحجم وكأنها رؤية تأملية بعيدة لما سبق، ونقترب من الحاضر كلما زادت الأحجام، فنجد أنفسنا في حضرة الحالة الفعلية للترانزيت وهو الموضوع الذي يطرحه لأول مرة من خلال أعماله، إذ يختبر الفنان حالات مختلفة للانتظار أو بالأحرى للتوقف المؤقت قبل استئناف الرحلة.. ليس فقط في المطارات حيث المشاعر المتداخلة وحكايات المسافرين بل على المعنى الأكثر عمقاً المرتبط بتلك الفترات الفاصلة في حياة كل منا، إنها لحظات التوقف التي قد نعيشها يومياً في زحام الطريق .. إنها لحظة التوقف أمام صورتنا المنعكسة على زجاج ساحات الانتظار أو على الأرضيات اللامعة أو حتى على أسطح النوافذ التي تحمل إلينا النور القادم من الخارج .
في "ترانزيت" يقف خضر متأملاً كل مراحل مشواره الفني بعد أن تشربها جيدا، ليعيد صياغتها وتقديمها بمزيد من النضج والهدوء، ليكشف المسطح عن عمق التجربة وثقلها، وأمام تلك الأعمال نكتشف كم نحن بحاجة للوقوف "ترانزيت" قبل استئناف الرحلة.



