هناء مطر تكتب : الصمت
في غرفة صغيرة مكونة من سرير خشبي وأربعة جدران، ملونة باللون الأزرق، كلون السماء، ومنضدة وضعت عليها زهور الأوركيد وكأنه ما زالت هناك حياة.. انتهى بي المطاف هنا وأشعر بأنها قبري وكأن الجدران سوداء وفي حالة حداد.
ورغم وجود تلك النافذة هناك لكنني لا أستطيع أن ألمسها بيدي ولا أقوى على فتحها، وكل ما أنتظره منها هو فقط شروق شمس موتي وانتهاء الحياة، لقد تملك مني اليأس كوحش يلتهم روحي وانتحر بداخلي الأمل.
وها هو كرسي خشبي بجوار سريري لمن يأتي لزيارتي ويجلس بجواري مشفقا على حالي، حيث يرقد جسدي دون حركة واحدة.. جسد كل ما فيه مات ولا ينتظر سوى الدفن تحت الثرى.. جسد مشلول منذ عشر سنوات جراء حادثة لعينة دمرتني.. رغم كوني أصم وأبكم فجاءت الحادثة وقتلتني على قيد الحياة.. أرقد على فراشي كقطعة قماش بل قطعة القماش تلك تتحرك مع الهواء أفضل مني.. كل ما أستطيع فعله هو التجول بين أزقة عقلي بساق الذكريات والنظر لسقف غرفتي وكأنه شاشة عرض وأشاهد عليه حلقات حياتي المنتهية وأحدث نفسي وهي تتجرع الألم والعناء.
أشاهد في إحدى الزوايا، عندما كنت ألعب وأركض خلف كرتي.. أشاهد في زاوية أخرى طاولة كنت أتناول عليها العشاء مع حبيبتي التي كانت تشاركني عالمي الصامت الخاص، لكن أخذها الموت مني وكأن الحياة أقسمت بأن تعذبني وحدي.
بجوار تلك المروحة اللعينة أشاهد حياتي ولا رفيق لي سوى مروحتي التي تتحرك أفضل مني، وحتما تصدر أصواتا لا أستطيع أن أصدرها.. فأنا الآن مشلول القدمين واليدين ولا يتحرك مني سوى رأسي وعيني، ولا أستطيع أن أنادي حتى على أمي التي أشاهدها دوما تبكي بداخلها وتسجن دموعها خوفا من أن تهرب من عينيها وتسقط أمامي.. لقد أرهقتها منذ صغري ولا تقوى الآن على تحمل مسؤوليتي.. أشفق عليها.. لقد غلبها النوم وانتصر عليها في معركتها مع الحياة.
يا ويلي أشعر بألم شديد داخلي.. لا أقوى على الانتظار لكن سأحاول وأنتظر وأنتظر.. لا بد أن أنتصر وأنتظر فأنا لا أريد أن تتقيأ أمي الأمعاء.. يا ليتك يا أمي تسمعين ندائي الآن أمي أمي أمي أريد ان أقضي حاجتي أم... وسقطت دمعتي على وجهي وغرقت وسط محيط صمتي.. لا أستطيع أن أتمالك نفسي.
ربي أدعوك بقلبي وروحي أن تعجل بموتي وأن ترحمني فالموت أرحم من عذاب روحي.. وها هي عدوى الصمت الخارحي تنتقل لداخلي فغرقت في لُجة الصمت والظلام، فأطبقت عيني ولامست دموعي خدي وغرقت وسادتي كما غرق أسفل مني ومات أيضا بداخلي الكلام.



