رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

حكاية نقش من داخل معبد دير المدينة

بوابة روز اليوسف

الباحث في الفن المصري القديم كالسائح في مغامرات مترامية الأطراف، من القاهرة  متوجهة إلى الأقصر مناظر ساحرة على جانبي الطريق سحر الجنوب يتحدث، فى حضرة ماعت ريشة الحق.

 

طريق طويل ولكنه ممتع ، برغم مشقة الطريق لم احتمل الانتظار  توجهت إلى البر الغربي، وبالطريق مررت بمنازل القدماء بدير المدينة ومقابرها الرائعة والمجهدة جدا فى نفس الوقت فى النزول اليها لضيق الممرات والنزول الافقى للسلالم ومنها توجهت الى معبد دير المدينة وهو بحالة جيدة والألوان والنقوش تنطق بعظمة الأجداد.  

 

باحثة عن جدارية المحاكمة، البحث عن أول ترسيخ لمبادئ العدالة بالكون،القدماء اعتقدوا في محاكمة المتوفى بعد موته وضرورة مثوله أمام القاضي المتمثل في اله الموتى أوزوريس، ويجلس بالمحاكمة اثنين وأربعون إله هم حكام الأقاليم بمصر القديمة.

بل الأغرب هم وجود حيوان مفترس يسمى الملتهمة يلتهم من يزن قلبه وزن أعلى من الريشة " ريشة الحق " وتسمى الآلة ماعت.

من أجمل نقوش المعبد، جدارية محاكمة الموتى، والتي تمثل منظر وزن القلب وهو الفصل 125 من كتاب برت أم هيرو .. او كما يطلق البعض كتاب الموتى . فكشف أقدم صيغة للمحاكمة وتحول إلى سلاح يضمن البراءة للمتوفى بحفظ تعاويذه ، في صورة محاكمة خلقية في عالم الآخرة   

وتعتبر المحاكمة من أهم فصول الكتاب المكون من 190 تعويذة. قسمت المحاكمة إلى ثلاثة أجزاء أولاً المقدمة التي يقولها المتوفى أمام أبواب الحق لإله أوزوريس.

وثانياً الخطاب إلى آلهة العالم السفلى يوجهه المتوفى بعد اجتيازه المحاكمة بنجاح.

كان المصريون يعرفون تماماً أن عدد قليلاً جداً منهم سوف يمثل أمام القاضي الأعظم ، دون أن تكون له ذنوب، فكان ينبغي لهم إذن الحصول من الآلهة على الصفح عن السيئات وأن يتطهروا. وكان الرجاء شائعاً وكثيراً ما يذكر في الصلوات الجنائزية. 

" لقد انمحت خطاياي وطرحت ذنوبي جانباً "

" تطهرك الساحرة الكبرى. عليك أن تعترف بخطيئتك التي سوف تمحى، لعمل أشياء مقابل كل ما تكون قد قلته.  واجتمعت ثلاث روايات مختلفة عن المحاكمة وعنوان الرواية الأولى الدخول إلى قاعة الصدق وهى تعنى بالاعتراف الإنكاري وما يقوله المتوفى عندما يطهر من كل الذنوب التي اقترفها ويقول اعرف اسمك وأعرف أسماء الاثنين وأربعين إلهاً اللذين معك في قاعة الصدق ويقول:

 إني في مكان الصدق هذا لم آت ذنباً. 

وإني لم أعرف أي خطئية. وإني لم أرتكب أي شئ خبيث.

 وإني لم أفعل ما يمقته الإله.

 وإني لم آمر بالقتل.

ولم أتسبب في إبكاء أي إنسان.

 لم أسرق.

لم اسبب تعساً لأي إنسان.

لم أفعل ما يمقته الإله.

لم أطرد الماشية من مرعاها.

لم أغتصب لبناً من فم الطفل.

لم أنقص مكيال الحبوب.

فمي لم يثرثر.

لم أضع الكذب مكان الصدق.

لم تكن ثروتي عظيمة إلا من ملكي الخاص.

لم يكون صوتي عالياً فوق ما يجب.

لم يكن قلبي متسرعاً.

لم أنقص مكيال الحبوب.

لم تأخذني حدة الغضب في طبعي.

لم أكن متكبراً.

لم أرتكب ما يدنس عرضي.

 

 ثم يوجد منظر آخر يمثل الإله أوزوريس قاضى يساعد الاثنين وأربعين إلهاً وفيه يقوم المتوفى بمخاطبة الآلهة ويدعى أنه يعرف أسماءهم ويخاطبها جميعهم. لم أزنى . لم امنع المياه . لم ألوث مياه النيل.

إلى آخر الاعترافات والرواية الثالثة عن المحاكمة هي التي كانت لها أعظم تأثير على المصري وهى أشبه بتمثيلية "أوزوريس" في أبيدوس ، إذ ترسم لنا المحاسبة الأخروية كما يحدث بالموازين.

فنشاهد الإله أوزوريس جالساً فوق عرشه، في نهاية قاعة المحاكمة، وخلفه كل من إيزيس ونفتيس وقد أصطف على طول أحد جوانب القاعة، الآلهة التسعة وهم المعرفون "بتاسوع عين شمس" وهم الذين ينطقون فيما بعد بالحكم. 

 

والموازين في يد الإله الجنازى "أبن آوى" أنوبيس" ليقود المتوفى وهو ممسك بيده "أوزوريس"  وعند دخول المتوفى لا ينطق أحد بكلمة، ويجلس ملك الموتى ممسكاُ بيد عصاه واليد الأخرى مضرب فهو القاضي الأعلى للموتى, ومن أمامه يوضع الميزان ويقف "تحوت" إله الحكمة   وفى يده القلم والقرطاس حتى يسجل النتيجة.

ومن الحاضرين  حورس و"ماعت" إلهة الحق والعدالة ويقف خلف " "تحوت"  حيوان بشع يسمى الملتهمة وينطق المتوفى اعترافاته أمام "أوزوريس"  وإذا تبين أن القلب لم يكن  لا ثقيلاً ولا خفيفاً، فإن المتوفى تبرأ ساحته ويأمر أوزوريس بإعادة القلب للمتوفى ليعود للحياة.

وزن القلب من التمائم المرتبطة بالأسطورة الأوزورية فاعتقد المصري أن القلب يصبح مستقلاً بعد وفاته وأنه سوف يلاقى صاحبه عند المحاكمة الأوزورية. ومن هنا كان يجب أن يعود القلب للمتوفى حتى يعود للحياة وفى النص السابع والعشرين من كتاب الموتى  كانت تقال تعويذة لحفظ القلب "  يأيها الذي يسرق القلوب الذي يجعل قلب الإنسان يذهب لا تؤذى القلب ، لا تأخذوا قلبه " قلب أوزير " فأنا أوزير المنتصر في سلام و هذه الروايات الثلاثة عن المحاكمة تعبر عن الوعي الخلقي  واكتشافه وعيه بالذنب والإصرار على البراءة وانه لم يقترف أي إثم  فالمحاكمة صورت التصور الوصفي لأوزوريس في عالم الموتى وانه قاضياً ومالكاً لأموات.  

وأن عقيدة أوزوريس لها قوة عظيمة بين الشعب في الاستقامة وان المصير الأوزيرى متاحاً للجميع.  

وتفاصيل مشهد المحاكمة تختلف في البرديات التي ترجع إلى فترات متفاوتة ونلاحظ أن الفنان كان حراً في تصوير أفكاره عن المحاكمة داخل المساحة المحددة دون تجاوزها فالميزان يصور بوضع أفقي حتى لا ترجح كفة قلبه ترجح على كفة ريشة العدل.

مصير المتوفى لا يختلف عما نعرفه هناك بحيرات نيران وعذاب فالمصري أعتقد في العذاب الروحي بالموت الذي لا يطاوله عقاب.

هنا التساؤلات:

كيف لهذا الفكر أن يضمحل

كيف لنا وبعد أن وصلنا لأول الطريق أن نرجع للوراء

المصري القديم برع في النجاة  من هول العذاب بفكره وباعترافه الإنكاري حتى يصل لفكرة البقاء في عالم الخلد .. البقاء في حياة نعمة رغدة خالية من أي اعترافات إنكاري.. فى نعيم الخلد.

حياة الفكر والعقل أنتجت أروع ما يكون من تجليات الأجداد .. ماعت ريشة الحق وكفة الميزان و وزن القلب ..

مصر حلوة بفكر ناسها وجمال ولادها وخفة دم شعبها.

للحديث بقية عن مقابر دير المدينة.      

تم نسخ الرابط