الجمعة 10 يوليو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
لعبة النسيان: نهاية مقنعة

لعبة النسيان: نهاية مقنعة

اعترض كثيرون من الأصدقاء على نهاية مسلسل (لعبة النسيان).. ورأوا أنها ليست عادلة، وأن رقية لم تساعد عمرو حتى ينتقم لأخيه المقتول.. وهى أيضًا لم تنتقم من عائلة زوجها المقتول، ومن أخيه نادر الذي تسبب فى مشكلتها الكبرى ألا وهى فقدان الذاكرة وعمل كل ما يمكن حتى لا تستعيد ذاكرتها.



 

ويبدو أن تيمة الانتقام السخيفة لاتزال تحلو لكثير من المشاهدين.. فيخرج البرنس علينا فى آخر حلقة من مسلسله الانتقامى ليعطينا درسًا فى ضرورة الانتقام ويتباهى على المشاهدين بأنه انتقم من كل من آذوه فى تسعة أيام فقط.. وأن على كل واحد أن ينتقم لنفسه ممن أضر به.. وبالتالى تصير (رقية) الراقية التي جعلها (تامر حبيب) شخصية مختلفة ومتسامحة، تصير فى عيون بعض المشاهدين صاحبة قرار نهاية غريبة للمسلسل.. وقال البعض إنها نهاية غير متوقعة.

 

لا أرى أنها نهاية غير متوقعة إطلاقًا.. أرى أن شخصية رقية مرسومة بحرفية عالية، ومتسقة مع نفسها منذ بدء حلقات المسلسل وإلى النهاية.. هى شخصية جريئة ومختلفة ومتميزة وغير تابعة لأحد.. تعرف ما عليها وتعرف أيضًا ما لها.. لا تظلم أحدًا ولا تحب أن يظلمها أحد.. دافعت كثيرًا عن (نادين) أخت زوجها التي لها شخصية ضعيفة بسبب قسوة الأب ورفضه لميول نادين الفنية، وبسبب انتحار أمها الذي جاء نتيجة خيانة الأب القاسى للزوجة.. ما جعل نادين شخصية حساسة مرتبكة لا تستطيع المواجهة.. ولكن رقية تدافع عنها، تقويها، وتدعمها، وتشجعها على إظهار مواهبها الفنية واختيار طريق حياتها..

 

كما تتصف رقية أيضًا بالجرأة الشديدة فى التعبير عن مشاعرها وبخاصة مشاعرها المجروحة بسبب خيانة زوجها أمجد لها كما فعل أبوه بأمه.. هنا ينكشف للمشاهد الوجه الآخر لجرأة رقية.. فهى تتحول إلى شخصية انتقامية تحاول النيل من زوجها كلما أُتيحت لها الفرصة.. فتثير غيرته، وتنتقده، وتقلل من قدره، وتحاول أن تنتقم لمشاعرها المجروحة بكل طريقة تجرح بها مشاعره.. والنتيجة أن تماديها فى إثارة غيرته تصل به إلى قتل خالد البريء الذي بدوره يقتل أمجد وتنتهى لعبة انتقام رقية بمأساة غير متوقعة.. موت رجلين، ودفعها للسقوط من النافذة، وفقدانها للذاكرة.. وفضيحة تهز كيان العائلة وتلاحقها إلى أن تثبت براءتها من تهمة خيانة زوجها.

 

إذا وضعنا هذه المصيبة بالتوازى مع صفة أخرى مهمة  تتصف بها شخصية رقية ألا وهى الرسوخ الأخلاقى للطبقة المتوسطة التي خرجت هى منها، نفهم بوضوح لماذا سامحت رقية عائلة الشيال.. رقية فتاة قوية الشخصية ثابتة المبادئ.. قالت إنها حاولت أن تخون زوجها ولم تستطع أبدًا أن تفعل هذا الفعل غير الأخلاقي.. ولكنها لما أفاقت من الغيبوبة وجدت نفسها متهمة بخيانة زوجها والتسبُّب فى قتله وقتل خالد الخائن معها.. وهى تهمة مزيفة استمرت البطلة طوال حلقات المسلسل تبحث وتحاول أن تتذكر حتى تنفي هذه التهمة، وقد كان. 

 

إذًا تعلمت رقية أولًا أن انتقامها من زوجها أدى إلى مصيبة كبيرة لها هى شخصيًا.. ثانيًا رأت رقية طوال حلقات المسلسل كيف أن الحياة كفيلة بمجازاة كل شرير عن شره.. فيحيى الشيال رب العائلة الخائن لزوجته والذي ميز ابنه الكبير أمجد عن ابنه وابنته الصغرى، فقد زوجته التي انتحرت وندم ندمًا غير مسبوق، كما فقد ابنه المحبوب فى فضيحة الخيانة والقتل.. ورأت رقية أيضًا نادر الأخ المسكين فاقد محبة أبيه والذي حارب عودة الذاكرة لها، وهو يفقد زوجته وابنه الوليد بعدما انكشف أمام الزوجة فتركته للأبد.. ثالثا تميزت رقية بامتلاكها طاقة حب كبيرة استطاعت بها أن تحب ابنة زوجها وأخت زوجها، بل ووالد زوجها الذي لم يحبها إلا قرب نهاية المسلسل. 

 

تلك المحبة الناتجة عن أم وشخصية نضجت بالتجربة الصعبة التي مرت بها، وأصقلتها معرفة توابع الانتقام الكارثية على الجميع، وعودة رقية للحياة من جديد بعد سقوطها من النافذة الذي كان يحتم موتها، ورجوع ذاكرتها، جعلها تدرك قيمة الحياة الممنوحة لها، وصعوبة أن تكون هى السبب فى فقدان الآخرين لحياتهم.. إذا كان الله يسامح الإنسان ويستر أخطاءه، متى سيتعلم الإنسان أن يسامح غيره ويتغاضى عن أخطائه؟

 

رقية شخصية رائعة.. أخطأت وواجهت أخطاءها واعترفت بها وتعلمت منها.. نظرت الحياة من منظور أوسع وأعمق وأهدأ وأكثر نضجًا.. قررت أن تدع النقمة لمن بيده الأمر، وتسعى هى لحياة أكثر سلامًا وتسامحًا وسارت مع ابنها على العشب الأخضر فى آخر مشهد.. اختارت الأمومة وفضلتها على الحب الذي تَكوّن فى قلبها ناحية عمرو.. وهو من صنف الحب المستحيل وهى أدركت هذا.. هو لم يقتنع بموقف التسامح من ناحيتها وهى لم تمنعه عن قناعة الانتقام ولكنها أبدت رغبتها بوضوح فى أن تعيش فى هدوء وسلام. نهاية موفقة لمسلسل متميز.