في صباحٍ شتوي من أيام عام 1970 "تحديدًا يوم 22 يناير"، لم تكن جزيرة شدوان مجرد بقعة صخرية عند مدخل خليج السويس، بل تحولت إلى مسرحٍ لواحدة من أنبل ملاحم البطولة في التاريخ العسكري المصري.. هناك، حيث يلتقي البحر بالإرادة، وقف الجندي المصري ليكتب بدمه سطرًا مضيئًا في سجل الكرامة الوطنية.
جاءت الطائرات الإسرائيلية تشق السماء، تتبعها قوات مظلات مدججة بأحدث الأسلحة، ظنًّا أن السيطرة على الجزيرة ستكون نزهة عسكرية خاطفة، وأن الحامية المصرية قليلة العدد ستنهار أمام زخم النار والتكنولوجيا. لكن شدوان كان لها رأي آخر، وكان للمصريين عهد لا يُنكث: "الأرض لا تُسلَّم".
وسط القصف الجوي والبحري، تماسكت الحامية المصرية، جنودٌ يعرفون أن خلفهم وطنًا كاملًا، وأن أمامهم عدوًا لا يفهم سوى لغة القوة، لم يكن الفارق في السلاح عائقًا، بل كان حافزًا، فكل طلقة أطلقها الجندي المصري خرجت محمّلة بعقيدة راسخة: الدفاع حتى آخر نفس.
ساعات طويلة من القتال العنيف، امتزج فيها دوي الرصاص بصوت البحر، ورغم الحصار والعزلة، لم تُرفع راية بيضاء، ولم تُسجَّل لحظة انكسار.. ارتقى شهداء، وسُطّرت أسماؤهم في وجدان الوطن قبل أن تُكتب في السجلات العسكرية.
فشلت إسرائيل في تحقيق نصر دعائي أو عسكري، واضطرت قواتها إلى الانسحاب بعد أن تكبّدت خسائر غير متوقعة، أما شدوان، فقد بقيت مصرية، وبقيت المعركة شاهدًا حيًّا على أن الشجاعة لا تُقاس بالعدد، وأن الإيمان بالوطن أقوى من أي سلاح.
لم تكن معركة شدوان مجرد اشتباك عابر في حرب الاستنزاف، بل كانت رسالة واضحة: الجيش المصري عاد، واستعاد ثقته بنفسه، ويمهّد الطريق ليومٍ أكبر، سيأتي بعد سنوات قليلة، ويُعرف باسم نصر أكتوبر.
وهكذا، ستظل شدوان رمزًا خالدًا، تُخبر الأجيال أن في هذا الوطن رجالًا، إذا دُعوا إلى الدفاع، لبّوا النداء، وجعلوا من الصمود بطولة، ومن التضحية مجدًا لا يزول.



