الخميس 22 يناير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

رواية «زمن سعاد» هي الصرخة الأدبية المزلزلة والمبهرة لميلاد الأديب د. خالد منتصر روائيًا. مراوحة فاتنة بين استغاثة ثائرة تدعو للإفاقة في مواجهة الإظلام والقبح والكراهية – تلك الثمرة الرجيمة للتعصب – وبين أنين حزين موجع. 

 

بدت لي الرواية قرينًا أدبيًا بديعًا للوحة «الصرخة» لمونش؛ قرينًا فكريًا وكلماتيًا لما رسمه مونش باللون، بالظل والضوء، في تلك السماء المخضبة بالحمرة الوحشية المرعبة.

 

ها هو خالد منتصر، المتعطش للحرية بكل أشكالها: التسامح والجمال، يجد ضالته في سعاد حسني لتكون البوابة المُجوَّهرة للولوج إلى زمنٍ كان قبل أن تتحول الأحلام إلى كوابيس كافكاوية.

 

سعاد حسني ماتت قبل أن تموت. ماتت بعد موات زمنٍ احتفى بالحياة. احترقت بلهيب وهجها لتغدو محاكاة واقعية لأسطورة إيكاروس، المحاصر بهشاشة أجنحته الشمعية التي أحرقتها الشمس، فسقط في هوة البحر.. تمامًا كسعاد.

 

نجمة لفحتها شمس الشهرة الشاهقة، الأنوثة الطاغية، والفن المؤثر. حلّقت عاليًا، عصيّة على إدراك القطيع، فلاحقت زرقة السماء، وأرادت أن تتحرر من جسدٍ لم تعد تعرفه ولا تحبه، من زمنٍ لم يعد زمانها ولا زماننا؛ زمنٍ يلتهم أبناءه، كما في لوحة جويا: زحل يلتهم ابنه.

 

الغربة سكنت جسدها، وطعم الرماد تنفسته روحها الغائبة. طاردها القتل بالكلمات، والنفي الزمني – أبشع أنواع النفي. كانت مصلوبة على مذبح زمن انكسار الروح والوعي.

 

«اليوم خلص»، كما في صغيرة على الحب، والبلبل لم يعد يغني. وأستعيد قول مونش:
«من جسدي المتعفن ستنبت الأزهار، وأنا فيها.. وهذا هو الخلود».

 

يتقن خالد منتصر تهشيم التابوهات، والتحرر حتى من الأغلال الحريرية للرقابة الذاتية. تنطلقت اللؤلؤة من محارتها، ليتتبع أثر المتمردين على القبح والإظلام.

 

هو، في وعيه التنويري، وريث فولتير؛ المنادي بالتسامح، بالتنوير بوصفه ترياقًا لعذابات الإنسانية. يدافع عن الحقيقة والجمال: الحقيقة بوصفها علمًا، والجمال بوصفه إبداعًا، وكل ما يسمو بالإنسان فترتقي الغريزة وتتهذب.

 

سعدت لأن فكره لم يطغَ على موهبته الأدبية، ولم ينل من رهافة تعبيره وجاذبية سرده، رغم المصير المأساوي لأبطاله. فالرواية، في جوهرها، رثاء لزمنٍ كان؛ زمن البهجة، البراءة، قبول الاختلاف، والتميّز.

 

عرفت مصر آنذاك الفن التشكيلي، نشوة الطرب والرقص، ولم تعرف الابتذال ولا التحرش. ثم تجرعنا زمنًا مدججًا بالقسوة، باستبداد القطيع.

 

يُماهِي خالد منتصر نفسه بشخصياته، يتعاطف مع ضحايا الأحلام المبتسرة والعجز الوجودي، ضحايا الاختبار بين العقيدة والفن. يستدعي عبر صفحات شائقة ومضات من تاريخنا: سعاد حسني، عبد الحليم، فريدة فهمي، بيكار، شهدي عطية، صلاح جاهين… ومضات زينت جدارية حياتنا، تلتحم بشخصيات متخيلة:

 

سعاد الضويني، فارس الأشْموني، سلمى وطارق الأشْموني، أيمن، والشيخ المنشاوي.
 

سعاد، صديقة السندريلا، راقصة في فرقة رضا، تُصاب في ساقها فتُحرَم الرقص إلى الأبد. زوجها فارس، الفنان التشكيلي، ينال منه المد الوهابي فتخبو جذوة موهبته، ويصاب بالزهايمر:
 

«صرت أخرس الروح… ترهل ثدياها كما ترهلت روحي».
 

طارق الأشْموني يذكّرني بمسخ كافكا، لكنه لم يستيقظ صرصارًا، بل تنينًا يبث نيران سُعاره على الجميع.
 

أما سعاد حسني فتقول:
 

«لقد افترسك الخوف… لم يمنع عنك الموت، لكنه منع عنك الحياة».
 

طارق، ابن زمن القتل المقدس والرشوة الحلال، تمتد قبضته إلى هولندا، إلى أخته سلمى، فتقع فريسة لـ«الحِسبة»، ثم تُغتال ابنتها سعاد في اعتداء إرهابي. لا أحد ينجو؛ فالرصاصة تقتل فردًا، أما الفكرة والكلمة فتقتل ملايين.
 

ويبرز الشيخ المنشاوي، عرّاب الكراهية، كرمز لاغتيال الهوية المصرية: سيطر على العلم والفن والاقتصاد والعلاقات الإنسانية، وزرع الفرقة حتى داخل الأسرة الواحدة. زمن المرتزقة ومحاكم التفتيش، حيث صار «الالتزام» اسم الدلع للتطرف.
 

ثم نصل إلى أحد أكثر فصول الرواية فرادة: المونولوج المتخيل لسعاد ومارلين مونرو قبل السقوط. مناجاة شاعرية للعدم والخلود:
 

«يقولون إن الجاذبية ستسقطني… كاذبون. أنا الجاذبية».
 

مارلين الجميلة النائمة إلى الأبد، الغائبة الحاضرة، التي لن تتغضن، ولن تزحف الشيخوخة على جسدها المرمري. صورتها خالدة، تبث الفتنة والغواية… عقابًا لكل من أدمى روحها.
«زمن سعاد» نص بديع وملهم. أدعو كل من يسكنه الحنين والغضب، وكل المشتاقين للجمال والبراءة وأنوار الحرية، إلى قراءته.

 

تم نسخ الرابط