rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد نجم

بعيدًا عن رواية «اللحاف والبرغوث» للأخ خالد يوسف، وعن الدموع الغزيرة التى تساقطت أنهارًا من أعين بعض أعضاء لجنة الخمسين.. فرحًا بإتمام المهمة أو حزنًا على فراق الصُحبة، فقد أصبح لدينا الآن مشروع لدستور جديد، سوف يعرض على الشعب فى استفتاء عام، ومن ثم وجب على لجنة الخمسين أن تنظم لقاءات جماهيرية لشرح وتوضيح ما تضمنه مشروعها، وأيضًا على كل من له علاقة بالقانون أن يقدم قراءة تفسيرية لمواده.. وذلك لمساعدة المستفتين فى اختيار القرار الصائب.

وفى رأيى أن «المشروع» هو عمل بشرى - بصرف النظر عن المواقف السياسية الخاصة - لن يرضى جميع الأطراف.. ولكن المهم أن نسعى جميعًا لسرعة الخروج مما نحن فيه الآن ونحاول الوصول إلى مرحلة الاستقرار السياسى والأمنى.. حتى تنطلق عجلة الاقتصاد.. ويتحقق ما كان يتوقعه الناس من تغيير نظامين سابقين.

وغنى عن القول أن الدستور وحده لا يكفى لتحقيق ما يتوقعه الناس من إقامة حياة ديمقراطية سليمة عمادها التداول السلمى للسلطة، وأيضًا الارتقاء بمستوى معيشة المواطنين، فالأمر يتطلب فيما بعد.. إصدار العديد من التشريعات الجديدة.. وأيضًا جدية وحُسن تطبيقها إلى جانب إعلاء المصلحة العامة.. والتخلى - ولو مؤقتا - عن بعض المصالح الخاصة الضيقة!، فقد لاحظنا جميعا خلال الشهور الماضية وبعد ثورة يناير تحديدا أن البعض يتعامل مع البلد وكأنها «أنجر فتة» كل يريد أن يغرف منه على قدر ما تطول يده، ولعل خلافات لجنة الخمسين كان خير تعبير عن ذلك، حيث تبارى ممثلو المؤسسات والطوائف المشاركة فيها.. كل يبحث عن مكاسب إضافية أو حصانة وهمية.. وكأننا فى مجال توزيع «تركة» على أصحاب الأنصبة من الورثة!

على أية حال.. يجب أن يعلم المستفتون أنه لا بد من قبول مشروع الدستور «كحزمة» واحدة.. بما فيها المقدمة الإنشائية الطريفة والتى كتبت بأسلوب أدبى فكرتنا بالمرحوم مصطفى المنفلوطى.. وبلغة مراوغة كما كان يفعل عميد الأدب العربى طه حسين فى كتاب «الشعر الجاهلى».

كذلك يجب أن يعلم الجميع أن الدستور لا يخاطب المواطن مباشرة.. ولكنه يخاطب المشرّع.. فلا يجب أن يستعجل البعض جنى الثمار.. وكما حدث فى فيلم «عايز حقى» عندما قرأ الفنان هانى رمزى مادة بالدستور  الأسبق تقول بأن لكل مواطن نصيبا فى الملكية العامة.. فحاول التنفيذ على الفور!

فالدستور ما هو إلا مجموعة من النصوص الحاكمة والمبادئ الملزمة لشكل الدولة ونظامها السياسى وأسلوب الحكم فيها، وكذلك الحقوق والواجبات العامة.. إلخ، وتلك النصوص والمبادئ تخاطب المشرّع لإصدار تشريعات منفذة لها أو تعديل التشريعات القائمة لتتوافق مع أحكامها.

فالقاضى - مثلًا - لا يحكم بالدستور.. وإنما عليه الالتزام فى الإجراءات بقانون المرافعات والإجراءات الجنائية، وألا يوقع عقوبة على المخالف إلا طبقًا لنصوص قانون العقوبات ونفس الأمر فى القانون المدنى بالنسبة للمنازعات المالية.

وكذلك بالنسبة للصحافة.. والتى نص المشروع الجديد أن يكون إصدار الصحف الجديدة بمجرد الإخطار، وألا توقع عقوبة الحبس على المتهمين فى جرائم النشر، فسوف يستمر الوضع على ما هو عليه حاليًا حتى يتم تغيير قانون الصحافة وكذلك قانون العقوبات وأية قوانين أخرى متعلقة بهذا الموضوع.

والمهم ألا يأتى القانون الجديد أو تعديل القانون السارى بما يخالف النص الدستورى، وإلا تعرض للحكم بعدم الدستورية فى أول طعن يقدم ضده إلى المحكمة الدستورية.

فمثلًا قانون انتخابات مجلس الشعب رأت اللجنة أن يكون ثلثا أعضاء البرلمان الجديد من خلال الانتخاب الفردى والثلث الباقى من الأعضاء من خلال الانتخاب بنظام القائمة، فهذا نص دستورى حاكم وواجب الالتزام به عند تعديل القانون السارى، ولا يجوز للمشرّع وهو فى هذه الحالة رئيس الجمهورية المؤقت إصدار قانون جديد أو تعديل القانون الحالى بما يخالف هذا النص الدستورى.

والمعنى أن الدستور أحيانًا ما يحدد اختصاصا معينا لجهة ما أو مؤسسة بعينها أو شروطا لعضوية البرلمان، ومن ثم يجب أن يتضمن القانون المنظم لعمل الجهة أو المؤسسة، وكذلك قانون مجلس الشعب تلك الشروط.

وكذلك المدد الزمنية لرئيس الجمهورية أو لأعضاء البرلمان أو غيرها من الهيئات، فلا يجب أن تعدل قوانينها الخاصة تلك المدد سواء بالزيادة أو النقصان.

أما إذا وضع الدستور مبدأ عاما وترك للمشرّع (الحكومة والبرلمان) إصدار قانون لتنظيم هذا المبدأ فهنا يمكن للمشرّع التحرك بحرية فى التفاصيل.. وعلى سبيل المثال، فقد رأت لجنة الخمسين ضرورة فرض ضرائب تصاعدية على دخول الأفراد تحقيقا لمبدأ الغرم بالغنم.. وهو ما يساهم فى تحقيق العدالة الاجتماعية بين أفراد المجتمع، فيجوز للمشرّع أن يحدد هو نسبة الضريبة المفروضة طبقًا لصافى الدخل المتحقق فيجوز مثلًا أن يعفى كل من كان دخله 10 آلاف جنيه سنويًا من الضريبة على الدخل، ولكن لو بلغ هذا الدخل 15 ألف جنيه فيمكن أن يدفع عنه ضريبة سنوية بنسبة 5% وهكذا تزداد نسبة الضريبة مع الزيادة، فالمشرّع هنا التزم بالمبدأ الدستورى ولكن نسب الضريبة يمكن تحديدها طبقًا للحالة الاقتصادية فى البلاد وظروف المجتمع عمومًا.

ولكن هناك فرقا بين الحكم والمبدأ الدستورى، وبين التوجيه أو الأمنية أو روح الدستور.. فالأولى ملزمة، ولكن الثانية فيها قولان!

فمثلًا المادة 38 من المشروع والخاصة بما أشرنا إليه سابقا (الضريبة التصاعدية على الدخل).. نصت على أن تكون الضرائب على دخول الأفراد تصاعدية متعددة الشرائح وفقا لقدراتهم التكليفية «أى المادية».. ولكن اللجنة استعملت اللفظ السابق باعتبار أن الأفراد مكلفين.. بسداد ما عليهم من ضريبة مستحقة طبقا للقانون.

فهذا نص واجب التطبيق ولا بد أن ينعكس بنصوص محددة وواضحة فى قانون الضرائب مع حرية المشرّع فى تحديد نسبة الضريبة التصاعدية طبقًا للزيادة فى الدخل.

أما التوجيه الدستورى أو ما يسمى بروح الدستور.. فتعكسه نصوص المواد 243 و244 والخاصة بتمثيل العمال والفلاحين والشباب والمسيحيين والأشخاص ذوى الإعاقة والمصريين فى الخارج.

فالمادة الأولى تقول: تعمل الدولة على تمثيل العمال والفلاحين تمثيلًا ملائمًا فى أول مجلس للنواب ينتخب بعد إقرار هذا الدستور، وذلك على النحو الذى يحدده القانون.

وذات الأمر بالنسبة للفئات الأخرى.. فى المادة 244 والسابقة الإشارة إليهم.

فالمادتان استحدثتا لفظ «تعمل» ولم تقل «يجب» أو «تلتزم» الدولة.

كما أنهما استخدمتا لفظا مراوغا آخر.. وهو «التمثيل الملائم».. لتلك الفئات فى أول برلمان بعد إقرار الدستور، فكيف تعمل الدولة على تحقيق هذا التمثيل الملائم؟ هل من خلال النص فى قانون الانتخابات على «كوتة» محددة النسبة أو العدد لكل فئة من تلك الفئات؟ أم من استخدام حق رئيس الجمهورية بتعيين نسبة 5% من أعضاء البرلمان بأن يختار تلك النسبة من ممثل هذه الفئات المذكورة؟

فمن المعروف أن اللجنة ألغت بنسبة الـ50% عمال وفلاحين والتى كانت مخصصة من قبل فى عضوية البرلمان ورفضت تحديد «كوتة» للمرأة.. وكذلك فئات المجتمع المختلفة فما معنى أن نقول «تعمل الدولة» طيب.. حاضر.. إن شاء الله!

المهم إنكم أطفأتم الحرائق التى كانت متوقعة.. وخرجتم من الموضوع كما تخرج الشعرة من العجين ورميتم الكرة فى ملعب الدولة.. وما هى الدولة؟ هل هى رئيس الجمهورية المؤقت والذى عليه إصدار أو تعديل قانون الانتخابات.. أم الناخبين والذين سوف يختاروا أعضاء البرلمان؟ وهل عليهم أن يأخذوا هذا التوجيه الدستورى مأخذ الجد على خلاف ما فعل غيرهم؟!

نقطة أخيرة.. وهى المواد الانتقالية.. والهدف منها استقرار الأوضاع والحفاظ على الحقوق التى اكتسبت بشكل قانونى فى الفترة الماضية.. منها مثلًا المادة 242 والخاصة بالمجالس المحلية، حيث تنص على أن يستمر العمل بنظام الإدارة المحلية القائم إلى أن يتم تطبيق النظام المنصوص عليه فى الدستور بالتدريج خلال خمس سنوات من نفاذه، وكذلك المادة 246 والتى نصت على إلغاء الإعلانات الدستورية الصادرة فى يوليو الماضى، ولكن يبقى نافذا ما ترتب عليها من آثار.

تبقى الإشارة إلى قدرة السيد عمرو موسى وكفاءته ودبلوماسيته فى قيادة مناقشات اللجنة وإنهائها لعملها فى المدة المحددة بدون أزمات.. وقد ساعده على ذلك القبول الشعبى الذى حظى به فى فترة توليه منصب وزير الخارجية.

 

وإلى الاسبوع ا لقادم.. لنتناول الأبواب المختلفة فى مشروع الدستور بالتفصيل.

 

تم نسخ الرابط