rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد نجم

 

 
أول ملاحظة على نصوص الدستور الجديد.. هو التوسع فى التفاصيل والتى محلها القانون، فالظروف تتغير والمفروض أن الدساتير تتسم بالثبات والديمومة إلى حد ما، إنما القوانين قابلة للتعديل أو الإلغاء فى أية لحظة وطبقا لما يسفر عنه التطبيق أو الظروف الجديدة فى المجتمع.
 
ويبدو أن ضيق وقت اللجنة.. فضلًا عن الظروف المحيطة بعملها.. بدت بعض النصوص وكأنها ردود أفعال لتصرفات خاطئة أو نيات سيئة سابقة.
 
وعلى سبيل المثال.. فى المواد الأولى والخاصة بالدولة.. تبدأ المادة الأولى بتعريف جمهورية مصر العربية.. بأنها دولة ذات سيادة، موحدة لا تقبل التجزئة، ولا ينزل عن شىء منها، نظامها جمهورى ديمقراطى، يقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون.
 
فأهل اللغة يقولون إن المادة عرفت المعرف، حيث بدأت المادة بذكر كلمة «جمهورية مصر العربية»، ثم أضافت أن نظامها جمهورى ديمقراطى، وأيضًا.. مصر طول عمرها دولة مركزية موحدة.. فما معنى أن نقول إنها موحدة لا تقبل التجزئة، ولا ينزل عن شىء منها؟!.. ويبدو أن الخوف من «المجهول» كان حاضرا وسيطر على أعضاء لجنة الإعداد.
 
والغريب أن المادة الثانية جاءت منضبطة مختصرة واضحة.. وكما جاءت من قبل فى الدساتير المصرية السابقة من أن الإسلام دين الدولة، واللغة العربية نفسها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع..
 
هذا مع استطراد المشرع الدستورى فى المادة الثالثة بإقرار حق المصريين من غير المسلمين والمسيحيين واليهود فى الرجوع إلى تشريعاتهم الخاصة فى تنظيم أحوالهم الشخصية وشئونهم الدينية واختيار قيادتهم الروحية.
 
وتلك المادة كانت - فى رأيى - ضرورية لتطبيق مبدأ «المواطنة» والحفاظ على الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعى فى المجتمع.. فكلنا مصريون ولا فرق بيننا بسبب العقيدة أو الجنس أو اللون، فكلنا سواء أمام القانون.. خاصة فيما يتعلق بالحقوق والواجبات والحريات العامة.
 
وهو ما أكدته المادة الرابعة والتى نصت على أن السيادة للشعب وهو مصدر السلطات ويصون وحدته الوطنية التى تقوم على مبادئ المساواة والعدل وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين.
 
ثم نأتى للمادة الخامسة والخاصة بالنظام السياسى فى البلاد والذى يقوم على أساس التعددية السياسية والحزبية والتداول السلمى للسلطة، فقد كان من «حسن الصياغة الدستورية أن تندمج فى المادة الأولى»، حيث «جمهورية مصر العربية دولة ذات سيادة ونظامها ديمقراطى يقوم على أساس التعددية السياسية والحزبية، والتداول السلمى للسلطة».
 
ونفس الأمر تكرر فى المادة السادسة الخاصة بمنح الجنسية المصرية لكل من يولد لأب مصرى أو لأم مصرية، فمن المعروف أن الحق يتطلب إجراءات للحصول عليه، والإجراءات مكانها القانون واللوائح وليس الدستور، وهو ما أشارت إليه المادة بالفعل فى نهايتها.. و«يحدد القانون شروط اكتساب الجنسية».
ومن ثم لم يكن هناك داع للتزيد بتعريفات والاعتراف القانونى به ومنحه أوراقًا رسمية تثبت بياناته الشخصية.. فكل هذه عبارة عن تفصيلات ينطبق عليها التعبير الشهير «الشىء لزوم الشىء»!
 
على أية حال.. لا بأس.. فحُسن النية مفترض..
 
وننتقل إلى المقومات الأساسية للمجتمع.. ونبدأ بالمقومات الاجتماعية والتى أشار فيها المشرع فى مادته السابعة إلى استقلالية الأزهر باعتباره هيئة إسلامية علمية يختص دون غيره بالقيام على كافة شئونه، وهو المرجع الأساسى فى العلوم الدينية والشئون الإسلامية.. إلى آخر المادة.
 
فحسنا فعلت اللجنة.. وحسمت الأمر الذى فيه تستفتون، فالأزهر بوسطيته وتاريخه واحترام المصريين لشيوخه ورجاله.. يؤهله - دون غيره - لأن يكون المرجعية الأساسية فى الشئون الدينية.. سواء كانت فى التشريعات الجديدة أو فيما يتعلق بالأمور الحياتية للمواطنين.
 
وأيضا فى المادة الثامنة والتى نصت على أن يقوم المجتمع على التضامن الاجتماعى - وهو مبدأ ورد فى الدساتير السابقة - ولكن أضافت إليه لجنة الإعداد مشكورة بأن «تلتزم الدولة بتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوفير سُبل التكافل الاجتماعى وبما يضمن الحياة الكريمة لجميع المواطنين.
 
ولكن المشكلة أن اللجنة عادت مرة أخرى لتكرار ما ذكرته فى المادة الرابعة وهو أن تلتزم الدولة بتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين دون تميز (المادة التاسعة).
ثم جاءت فى المادة العاشرة لتؤكد أن الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية، ثم أضافت إليها - مقارنة بالدساتير السابقة - وتحرص الدولة على تماسكها واستقرارها وترسيخ قيمها..، لا بأس!
 
وفى المادة (11) تكفل الدولة تحقيق المساواة بين المرأة والرجل فى جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفقا لأحكام الدستور، أى بما لا يخالف مبادئ الشريعة الإسلامية ومنها مثلا أن للذكر مثل حظ الأنثيين فى الميراث.. أو عند الشهادة فى المحاكم.
 
ثم نأتى إلى المادة (15) وهى جديدة تماما والتى نصت على أن «الإضراب السلمى حق ينظمه القانون».
 
ثم فى المادة (17) تكفل الدولة توفير خدمات التأمين الاجتماعى، والعمل على توفير معاش مناسب لصغار الفلاحين والعمال والمزارعين والصيادين والعمالة غير المنتظمة، مع ضمان الدولة لأموال التأمينات والمعاشات واعتبارها أموالًا خاصة تتمتع بأشكال الحماية المقررة للأموال العامة.
 
وفى المادة (18) حق المواطنين فى الرعاية الصحية المتكاملة، والتزام الدولة بإقامة نظام جيد للتأمين الصحى.. إلى آخره، ولكن المشكلة فى تخصيص نسبة 3% من الناتج القومى الإجمالى تتصاعد تدريجيا حتى تتفق مع المعدلات العالمية.
 
فماذا لو لم تستطع الدولة تخصيص هذه النسبة فى الموازنة الجديدة فى العجز المزمن فى الموازنة العامة للدولة وفى ظل الظروف القاسية التى يعانى منها الاقتصاد القومى؟
 
والمشكلة أن فكرة النسبة وتحديدها بأرقام محددة وردت فى الصحة والتعليم والبحث العلمى أيضًا!
 
فما الضرر أن ينص على ذلك خلال فترة زمنية معينة ولو «خمس سنوات قادمة».. أى لحين يخرج الاقتصاد من أزمته الحالية، فمن المعروف أن الأجور والمرتبات والدعم وأقساط الديون وفوائدها تستحوذ على نسبة تزيد على 90% من الموازنة السنوية للدولة.
 
أو كان من الأفضل ترك تحديد هذه النسب للقوانين المنظمة لأنشطة البحث العلمى والتعليم والصحة..
 
ومع ذلك يحسب للجنة الصياغة الجديدة فيما يتعلق بالإلزام ومجانية التعليم.. حيث نصت الفقرة الثانية من المادة (20) على أن التعليم إلزامى حتى نهاية مرحلة الثانوية أو ما يعادلها، وتكفل - ولا تلتزم - مجانيته بمراحله المختلفة فى مؤسسات الدولة التعليمية وفقا للقانون.
 
مع إشراف الدولة وضمان التزام جميع المدارس والمعاهد العامة والخاصة بالسياسات التعليمية لها.. أى للدولة.
 
فهذه الصياغة تفتح المجال - وهو أمر واقع حاليا - أمام المجتمع المدنى والقطاع الخاص.. أى المجتمع عموما للقيام بدوره فى مجال التعليم لسد العجز فى دور الدولة فى هذا المجال بسبب قلة الإمكانيات ونقص الموارد.. ويا حبذا لو بدأت الدولة فى تشجيع ما يسمى بالتعليم التعاونى.
 
هذا وقد نص المشروع أيضا على التزام الدولة بتشجيع التعليم الفنى والتقنى والتدريب المهنى وتطويره والتوسع فى أنواعه المختلفة ووفقا لمعايير الجودة العالمية وبما يتناسب مع احتياجات سوق العمل..، وهذا أمر مهم وضرورى.. وهو التزام يجب أن تقوم مؤسسات الدولة به بكل جدية وطبقا لخطط واضحة بجداول زمنية محددة.
 
وفى المادة (21) تكفل الدولة استقلال الجامعات والمعاهد العلمية واللغوية.. إلخ، وكذلك حرية البحث العلمى وتشجيع مساهمة القطاع الخاص والأهلى فيه.
أما فيما يتعلق بالمقومات الاقتصادية للدولة.. فقد غابت الرؤية والاتجاه.. ولم تحدد اللجنة طبيعة الاقتصاد المصرى ومن الذى سيقوم بقيادة قاطرة التنمية فيه.. هل القطاع العام أو القطاع الخاص؟! واكتفت ببعض الإشارات من ضرورة تشجيع القطاع الخاص، والاهتمام بالمشروعات الصغيرة، والالتزام بمبادئ الشفافية والحوكمة وتشجيع المنافسة ومنع الاحتكار، والحفاظ على الموارد الطبيعية، ولكنها أقرت مبدأ الضرائب التصاعدية على الدخل طبقا لمبدأ «الغرم بالغنم» بمعنى على قدر ما تكسب ادفع الضرائب المستحقة عليك.. وهو ما يساعد على تحقيق العدالة الاجتماعية بين أفراد المجتمع.
 
ثم هناك مجموعة من الالتزامات لا خلاف عليها مثل الالتزام بحماية نهر النيل وقناة السويس والبحار والمحيطات.. والثروة السمكية.. إلى آخره.
وأيضًا حرية الملكية العامة، وصيانة الملكية الخاصة، وحظر المصادرة العامة للأموال.
 
ونصل للمقومات الثقافية والتى لا خلاف مع ما ورد من نصوص بشأنها، بل العكس فقد أكدت اللجنة على التزام الدولة بالحفاظ على الهوية الثقافية المصرية بروافدها الحضارية المتنوعة، فمصر دولة ذات حضارة وذات تاريخ طويل.. ولابد من الحفاظ على هذا التراث المتنوع.. حتى نكون خير خلف لخير سلف!.
بل حظر المشروع إهداء أو مبادلة أى شىء من الآثار المصرية، واعتبر الاعتداء عليها والاتجار فيها جريمة لا تسقط بالتقادم.
 
 
وإلى الأسبوع القادم.. إن شاء الله.. لاستكمال بقية أبواب الدستور.
 
تم نسخ الرابط