بقلم : محمد نجم
لم يولد عنترة شاعرا كغيره من شعراء القبائل فى الجاهلية، ولكن شاعريته تفجرت متأخرة بعد أن ثبتت فروسيته، وتمكن حب عبلة من قلبه، وبعد أن يعايره نفر من قومه بأنه لا يقول الشعر.. فتحداه وتحدى كل ظروفه.. ونطق بالشعر مفاخرا بفروسيته معلنا عن حبه.. معبرا عن أحواله.. مسجلا لسيرة حياته.
وعلى الرغم من شهرة قصته مع عبلة وتحولها إلى أفلام ومسلسلات وأسطورة شعبية يرويها المداحون، إلا أن كتاب السيرة لا يعتبرونه من «العذريين» مثل قيس وليلى وجميل وبثينة وغيرهم، وإنما أعدوه من «المتيمين» بالحب! وكذلك بالنسبة للشعر..
فعلى الرغم من وصفهم لمعلقته بـ «الذهبية» لحسن التصوير وسهولة ألفاظها وجمال موسيقاها.. فإنهم أيضا لا يعدونه من كبراء الشعراء، مع أنه يكفيه قوله هذين البيتين الشهيرين اللذين يكشفان عن حب عميق لا ينسى حتى والحبيب فى حومة البغى، فقد تذكرها والرماح تغزو جسده والسيوف الهندية تقطر بدمه، فأراد تقبيل تلك السيوف اللامعة لأنها تذكره بثغرها المتبسم:
ولقد ذكرتك والرماح نواهــل
منى وبيض الهند تقطر من دمى
فوددت تقبيل السيوف لأنهــــا
لمعت كبــــــارق ثغرك المتبسم
وقد أوقف عنترة غزله لعبلة وحدها.. ولم يرغب فى سواها وها هو ذا يصف نفسه لها وكأنها أوراق اعتماده.. كحبيبها:
يا عبل.. أين من المنية مهربـــى
إن كان ربى فى السماء قضاها
إنى أمرؤ سمح الخليقة ماجـد
لا أتبع النفس اللجـــــوج هواها
ولئن سـألت بذاك عبلة خبرت
ألاّ أريد من النســــاء ســــواها
وأجيبها إمـــــا دعت لعظيمة
وأغيثها.. وأعف عما ســــــاها
كما أنك إذا سألتى عن حالى فى الحرب يخبرك من حضرها يأتى كريم عالى الهمة وأعف عن اغتنام الأموال:
هلا ســألت الخيل يابنة مالك
إن كنت جاهلة بمـا لم تعلمى
يخبرك من شهد الوقيعة أننى
أغشى الوغى وأعف عند المغنم
ولكن مشكلة عنترة لم تكن مع عبلة.. فقد بادلته حبا بحب.. بل هامت به ولم ترغب فى سواه.. ولكن مشكلته كانت مع عمه مالك أبو عبلة الذى رفض هذا الحب وامتنع عن تزويجه إياها.. لأنه عبد أسود مشكوك فى نسبه، ولا يحق له عشق عبلة الحرة! وهو ما كان يؤلم عنترة.. فيصرخ شاكيا:
يا عبل.. كم يشجى فؤادى بالنوى
ويروعنى صوت الغـــراب الأسود
كيف السلوّ وما سمعت حمائما
يندبن إلا كنت أول منشــــد
وسألت طير الدوح كم مثلى شجا
بأنينــــــه وحنينـــه المتـــردد
ولم يكتف عمه بالرفض ولكنه اصطحب ابنته ورحل عن القبيلة، ونزل عند بنى شيبان.. فحزن عنترة، لذلك حزنا شديدا وخشى أن يفقدها إلى الأبد:
إذا كان دمعى شاهدى كيف أجحد
ونار اشتياقى فى الحشا تتوقد
أقاتل أشــواقى بصبرى تجلــدا
وقلبـــــى فى قيد الغرام مقيد
سأندب حتى يعلم الطير أننــى
حزين ويرثى لى الحمام المغرد
وقد علم عنترة أن عمارة بن زياد يرغب فى خطبة عبلة وأبوها لا يمانع، كما علم أن فارسا آخر هو روضة بن منيع السعدى جاء لخطبتها.. فدعاه إلى المبارزة.. بادئا بقوله:
كم يبعد الدهر من ارجـــو أقاربه
عنى.. ويبعث شيطانا أحـــاربه
فياله من زمان.. كلما انصـــــرفت
صروفـــه.. فتكت فينا عواقبه
كم ليلة سرت فى البيداء منفــردا
والليل للغرب قد مالت كواكبه
يا طامعا فى هلاكى عد بلا طمع
ولا ترد كـــأس حتف أنت شاربه
وعندما وقع فى الأسر فى حرب بين العرب والعجم، وكانت عبلة من ضمن السبايا، لم يستسلم وتمنى الموت.. وتذكر ما كان بينه وبين حبيبته.. متحسرا على قسوة الدهر عليه:
يا دهـــر لا تبق علىّ فقد دنـــا
مـــا كنت أطلب قبل ذا وأريد
يا عبل.. قد دنت المنيـــة فاندبى
إن كـان جفنك بالدموع يجود
لهفى عليك إذا بقيت ســـبية
تدعين عنتر وهـــــو عنك بعيد
يا عبل.. كم من جحفـل فرقته
والجــو أســــــود والجبال تميد
فسطا علىّ الدهــــر سطوة غادر
والدهر يبخــــل تاره ويجود
هكذا كان عنترة وعبلة.. ذكريات قديمة وحب حاضر وفراق دائم.. والغريب أن كتب السيرة والأشعار لم تخبرنا.. كيف كانت النهاية؟.. بل تعددت الروايات فى موت عنتره نفسه الذى قيل أنه بلغ التسعين من عمره.. وقيل إنه مات مقتولا إثر رميه بسهم مسموم من فارس طئ يدعى الأسد الرهيص.. ونظرا لكبر سنه وضعف بصره فإنه لم يستطع أن يتلافى السهم الذى سدد إلى ظهره.
ونختم ببعض أبيات لفارسنا الشاعر يشكو فيه الدهر.. وصنوفه.. وما جناه عليه:
أعـــاتب دهــرا لا يلين لنا صـــح
وأخفى الجوى فى القلب والدمع فاضحى
فيـارب لا تجعــــل حياتى مذمة
ولا موتـــى بين النســـــــاء النـوائح
ولكن قتيلا يدرج الطير حـــوله
وتشـــرب غربان الفلا من جوانحى
نعم يا عنترة.. فقد مت قتيلا.. ونعق طير البين على جثتك وشربت غربان الصحراء من دمك!
ألست أنت القائل:
ناشـدتك الله يا طير الحمـــــام إذا
رأيت يومـا حمـــول القوم فانعانى
وقل طر يحــا تركناه وقـــد فنيت
دموعه.. وهو يبكى بالدم القانى



