من أخطر الأخطاء التى قد يقع فيها المجتمع أن يخلط بين القوة والهيبة، وبين النفوذ والاحترام، وبين الخوف والإعجاب. فبعض الشخصيات التى تنجح فى فرض حضورها خارج الأطر القانونية لا تعتمد فقط على المال أو القوة أو السلاح، بل تعتمد بالدرجة الأولى على قدرتها على صناعة صورة ذهنية تجعلها تبدو فى أعين البعض نموذجًا للنجاح أو الرجولة أو الحماية.
وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا يتحول بعض الخارجين على القانون إلى شخصيات تحظى بالإعجاب أو الشعبية لدى فئات من الناس رغم ما يمثله وجودهم من تهديد للنظام العام؟
الإجابة تبدأ من فهم طبيعة النفس البشرية.
فالإنسان بطبيعته ينجذب إلى القوة، خاصة فى أوقات القلق وعدم اليقين. وعندما يشعر الفرد بأن العالم من حوله مليء بالمخاطر أو أن الطريق إلى تحقيق أهدافه أصبح أكثر صعوبة، فإنه يصبح أكثر قابلية للانبهار بالشخص الذى يبدو قادرًا على تجاوز العقبات وفرض إرادته على الواقع.
من الناحية النفسية، تمثل هذه الشخصيات ما يمكن تسميته بـ «وهم السيطرة». فالبعض يرى فى رجل النفوذ شخصًا يستطيع الحصول على ما يريد، ويفرض كلمته، ويتجاوز القيود التى يعجز الآخرون عن تجاوزها. وهنا تبدأ عملية الإسقاط النفسي؛ إذ يسقط الفرد على هذه الشخصية أحلامه الخاصة بالقوة والنجاح والقدرة على التحكم فى المصير.
لكن الأخطر من ذلك هو ما يمكن وصفه بـ«كاريزما الخوف».
ففى بعض الأحيان لا ينبع الإعجاب الحقيقى من المحبة أو الاحترام، بل من الخشية والانبهار بالقوة. ومع مرور الوقت قد يخلط العقل بين الشعورين، فيتحول الخوف تدريجيًا إلى نوع من التقدير أو الإعجاب غير الواعى. ولهذا نجد أن بعض الشخصيات المثيرة للجدل تنجح فى بناء هالة اجتماعية حول نفسها رغم أن نفوذها قائم فى الأساس على الترهيب أو فرض السيطرة.
وتلعب الثقافة الشعبية دورًا مهمًا فى هذه العملية. فالأفلام والمسلسلات والحكايات المتداولة كثيرًا ما تقدم صورة رومانسية لـ «الرجل القوى» الذى يحصل على ما يريد بالقوة أو النفوذ أو الخروج على القواعد. ومع تكرار هذه الصورة، يبدأ بعض الشباب فى النظر إلى هذه النماذج باعتبارها رموزًا للنجاح بدلًا من اعتبارها نماذج للفشل الاجتماعى أو الأخلاقى.
كما أن هناك عاملًا نفسيًا آخر لا يقل أهمية، وهو الإحباط الاجتماعى. فكلما شعر بعض الأفراد بأن الفرص العادلة محدودة أو أن النجاح يحتاج إلى وقت طويل ومجهود شاق، زادت جاذبية النماذج التى تبدو وكأنها حققت النفوذ والثروة والسلطة بطرق مختصرة. وهنا لا ينبهر الشخص بالخارج عن القانون نفسه، بل ينبهر بما يتخيل أنه يمثله من قوة أو نفوذ أو قدرة على تغيير الواقع.
ومن الملاحظ أن كثيرًا من الشخصيات التى تبنى نفوذًا استثنائيًا تمتلك قدرة عالية على قراءة احتياجات الناس النفسية. فهى تعرف كيف تتحدث بلغة القوة عندما يبحث الناس عن الحماية، وكيف تتحدث بلغة الكرم عندما يبحثون عن الاحتواء، وكيف تصنع لنفسها صورة «المنقذ» أو «الرجل الذى يستطيع فعل ما لا يستطيع الآخرون فعله».
ومع الوقت تتكون حول هذه الشخصيات أسطورة اجتماعية. تبدأ بشائعة، ثم تتحول إلى قصة، ثم إلى حكايات متداولة، حتى يصبح من الصعب التمييز بين الحقيقة والخيال. وهنا لا يعيش الناس مع الشخص الحقيقى، بل مع الصورة الذهنية التى تم بناؤها حوله.
لكن المشكلة أن الأساطير الاجتماعية تختلف عن الواقع. فما يبدو قوة فى البداية قد يتحول إلى مصدر للخوف، وما يبدو حماية قد يتحول إلى نوع من السيطرة، وما يبدو حلًا سريعًا قد يصبح جزءًا من المشكلة نفسها.
ولهذا فإن المجتمعات المستقرة لا تبنى على الأشخاص مهما بلغت قوتهم، وإنما تبنى على المؤسسات. فالمؤسسة لا تعتمد على مزاج فرد أو نفوذه أو قدرته على فرض إرادته، بل تعتمد على قواعد واضحة تطبق على الجميع. أما عندما تصبح القوة الشخصية بديلًا عن القانون، فإن الجميع يصبحون معرضين للخطر، حتى أولئك الذين اعتقدوا يومًا أنهم مستفيدون من هذه القوة.
ومن منظور نفسى، فإن أخطر ما يفعله رجل النفوذ ليس استخدام القوة، بل النجاح فى إقناع الآخرين بأن وجوده ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها. فعندما يقتنع المجتمع بأن الحل فى الأشخاص لا فى المؤسسات، تبدأ الأزمة الحقيقية.
ولهذا فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون فقط عبر القانون أو العقوبات، رغم أهميتها، بل عبر بناء وعى مجتمعى يفرق بين الهيبة والخوف، وبين الاحترام والنفوذ، وبين النجاح الحقيقى والنجاح القائم على استعراض القوة.
فالمجتمعات القوية لا تحتاج إلى أبطال خارج القانون، بل تحتاج إلى مؤسسات قوية تجعل الجميع متساوين أمام القواعد نفسها. وعندما يثق الناس فى هذه المؤسسات، تتراجع جاذبية الأساطير، ويعود رجل النفوذ إلى حجمه الطبيعى: فرد يملك قوة مؤقتة، لا نموذجًا يستحق التقليد أو الإعجاب.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



