بقلم : محمد نجم
الشاعر والفارس العباس بن مرداس من بنى سليم، وأمه الشاعرة الخنساء بنت عمرو، وكان سيدا فى قومه من كلا الطرفين، وهو شاعر جاهلى أدرك الإسلام.. فأسلم بعد أن وفد على الرسول على رأس وفد كبير من قومه.
وتروى بعض الكتب قصة طريفة لإسلامه.. ملخصها أن كان لأبيه صنم يتعبد إليه اسمه «ضمار» فلما حضره الموت أوصى ابنه به، فنقله إلى أحد البيوت، وأخذ يتردد عليه بين الحين والآخر، وعندما ظهر رسول الله وجاهر بالدعوة أتاه صوت وهو نائم يقول له:
قــل للقبــائل من سليم كـــلها هلك الأنيس وعـــاش أهل المسجـد
إن الذى ورث النبـــــوة والهـــدى بعد ابن مريــم من قريش مهتدى
أودى الضمار وكان يعبد مــــرة قبـــل الكتاب إلى النبى محمد
فصحا العباس من نومه واتجه إلى إبله فأوصى بها راعيه، وأخبره أنه ذاهب إلى محمد صلى الله عليه وسلم ثم أحرق الصنم (ضمار) واتجه إلى مكة وهو يقول:
لعمـرى أنى يوم اجعله جاهـــدا ضمارا لــرب العالمين مشــاركا
وتركى رسول الله والأوس حـوله أولئك أنصــــار له، ما أولئكا؟
فأمنــــــت بالله الـذى أنا عبـــده وخالفت من أمسى يريد الممالك
ووجهت وجهى نحو مكة قاصـدا وتابعت بين الأخشبين المباركــا
وقد لحق عباس بالرسول فى المدينة المنورة، حيث أراد المسير إلى مكة عام الفتح، فواعده الرسول أن يلقاه وقومه فى منطقة تسمى «قديد» حيث لقاه فيما بعد ومعه ألف من بنى سليم، وفى ذلك يقول شاعرنا:
عشية وعـدنا قديدا محمـــدا يؤم بنــا أمـــرا من الله محكما
حـلفت يمين بــــــره لمحمـــــد فــأوفيته ألفـــا من الخيل معلما
وقد ترك العباس العديد من القصائد فى حب الرسول صلى الله عليه وسلم ودور قومه بنى سليم فى نصرة الإسلام.. منها تلك القصيدة التى يقول فيها:
يا خاتم الأنبيــــاء إنك مرســـل بالحق كـل هدى السبيل هداكا
إن الإلـه بنى عليـك محبـــــة فى خلقـــه ومحمد اسماكـــــا
وفى قصيدة أخرى جميلة يبدفأها بمناشدة «يا أيها الرجل الذى تهوى به».. إذا أتيت النبى.. فحقا عليك أن تقول له:
يا خير من ركب المطى ومن مشى فــوق التراب إذا تعــــــد الأنفس
بك أسلم الطاغوت واتبع الهــــــدى وبك انجلى عنا الظلام الحندس
وفى قصيدة أخرى أيضا بعنوان «من مبلغ الأقوام أن محمدا» يشير فيها إلى دعاء الرسول لربه واستئثاره وحده.. فأوفى الله له وأنعم عليه بالكثير، ومنها انتصاره على أعدائه يوم حنين، وفى هذا يشير عباس إلى مشاركة بنى سليم فى النصر:
فإن ســـراة الحى إن كنت سـائلا سـليّم وفيهـــم منهم تســلّما
وجند من الأنصـــار لا يخذلونه أطاعـوا فما يعصونه ما تكلما
سمونا لهم ورد القطازفة ضحى وكل نراه عن أخيه قد أحجما
لدن غـدوة حتى تركنــا عشية حنينا وقد ســـالت مدامعه دما
ولكن مشكلة شاعرنا أن إسلامه وتدينه كان ضعيفا نسبيا، وهو ما ظهر بعد غزوة حنين فى ردة فعله على ما قام به الرسول من توزيع الغنائم على بعض «المؤلفة قلوبهم» من الذين دخلوا الإسلام حديثا وضعهم صديقاه الأقرع بن حابس وعيينه بن حصن، فأكثر لهم وأقل لغيرهم ومنهم شاعرنا بن مرداس.. حيث قال:
وكـــانت نهابــــا تلافيتها بكرى على المهر فى الأجرع
وإيقاظى الحى أن يرقدوا إذا هجــع القــوم لم أهجـع
هما سواء، لا يضرك بأيهما بدأت بعيينه أم بالأقـــرع؟
وما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس فى مجمع
وما كنت دون أمرئ منهما ومن تضـــع اليـوم لا يرفع
فبلغ قوله رسول الله، فدعاه ولامه على ما يقول وتدخل أبو بكر يخفف من وقع ما وصل النبى من شعر عباس، فقال صلى الله عليه وسلم أقطعوا عنى لسانه، وأمر بأن يعطى من الإبل والشاة ما يرضيه ليمسك!
ومع ذلك يظل شاعرنا فارسا مدافعا عن الإسلام، وقد شارك فى الكثير من الحروب والفتوحات الإسلامية حتى قتل مع أشقائه الثلاثة فى معركة القادسية، كما يظل عباس شاعرا مجدا يستشهد بشعره فى المناسبات المختلفة، ومنها الأبيات التى استشهد بها كل من الخليفة الأموى عبد الملك بن مروان، وعبد الله بن الزبير فى مخاطبتهما لبعضهما، حيث قال عبد الملك إلى عبد الله يتوعده:
إنى لعند الحرب تحمــل شكتى إلى الروع جــــرداء السيالة ضامر
فيرد عليه الأخير بأبيات من شعر عباس أيضا:
إذا فرس العـوال لم يخالج همـومى غير نصــر واقتراب
وأنا والسوابح يوم جمــع وما يتلو الرسول من الكتاب
هزم الجمع جمع بنى قسى ومكث يركبها بينى رئاب
وله قصائد أخرى يعلن فيها أنه كرة الحرب وندم على ما مضى من عمره قبل الإسلام.. هذا مع أنه.. وكما يقول:
وكانت سليم إذا قــدمت فتى للحـوادث كنت الفتى
وكنت أفئ عليها النهـاب وأنكى عداها وأحمى الحمى
أو تلك التى يعاتب فيها قومه على عتابهم له.. ويناشدهم التخفيف مما تضيق به صدورهم ضده أو تحكيه ألسنتهم عنه:
أرانى كلما قاربت قومى تأوا عنى وقطعـهم شــديد
متى أبعد قشـرهم قريب وأن أقــرب قـــودهم بعيــد
سئمت عتابهم فصفحت عنهم وقلت لعـــل حلمهم يعــود
كما له مجموعة من الأبيات.. تمثل حكمة بالغة وهى ألا تنخدع بالمظهر حيث يقول:
ترى الرجل النحيف فنزدريه وفــى أثـوابه أسـد مزيــــر
ويعجبــــك الطـرير قتيلتــه فيخلف ظنك الرجل الطرير
فما عظم الرجــــال لهم يفخر ولكن فخرهم كـرم وخير
فالشجاعة ليست بالنحافة أو السمانة فضاعف الطير أطولها جسوما وضعاف الأسد أكثرها زئيرا..



