rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد نجم

 يبدو أن «الاعتراض» فى مصر أصبح «عادة»! دون أن يكون «ضرورة» مؤقتة تدفع إليها أسباب منطقية محددة، فقد صدر قانون الانتخابات الرئاسية بعد نقاش مجتمعى موسع، وبعد العرض على جهات الاختصاص القضائية لاستطلاع رأيها وخاصة المحكمة الدستورية ومجلس الدولة، وكذلك اجتماع رئيس الجمهورية مع قادة الأحزاب والقوى السياسية والذى انتهى على التوافق على الأخذ بمسار قانونى معين نظرا لظروف الفترة الانتقالية، وأيضا احتراما للأسانيد والآراء القانونية التى تدعم هذا المسار.

فقد كان الخلاف حول تحصين قرارات لجنة الانتخابات الرئيسية من عدمه، وكانت الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية مع التحصين، بينما كان قسم التشريع بمجلس الدولة مع جواز الطعن بشروط وتوقيتات زمنية محددة، وساق كل من الجهتين أسانيده القانونية لتدعيم وجهة نظره، مع ملاحظة أن ما قيل مجرد «رأى» وليس حكمًا قضائيًا واجب الاحترام والتنفيذ، وهو ما يعنى أنه يمكن الخلاف مع هذا الرأى أو ترجيح أحدهما على الآخر، طبقًا لما يراه ولى الأمر أو سلطة الإصدار، وهو هنا رئيس الجمهورية المنوط به سلطة إصدارالقوانين فى الوقت الحالى، ونظرًا لأن القانون يتعلق بأهم مناصب الدولة وهو رئيس الجمهورية المنتخب، ونظرًا لأن القانون سوف يخاطب المجتمع بأحزابه وتياراته السياسية المتنافسين فى سباق الرئاسة، فقد عقد الرئيس اجتماعا موسعا مع ممثلى الأحزاب والقوى السياسية وانتهى بالتوافق على التحصين، وصدر القانون بالفعل وأصبح واجب التنفيذ، إلا أن مجموعة من الأحزاب - خمسة من إجمالى 58 حزبا فى مصر - تقدمت بمذكرة لرئيس  الجمهورية تطالب فيها بإعادة سحب القانون وإلغاء مبدأ التحصين، وذلك نظرًا للظروف الدقيقة التى تمر بها البلاد والحرص على حماية الوطن من مؤامرات محلية أو إقليمية وعالمية تحيق به، فإنهم يرفضون تحصين قرارات اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية من رقابة القضاء.

أما السبب الآخر، فإنهم يطالبون بعدم الاستهانة بمخاطر التشكيك فى مشروعية الاستحقاق الانتخابى الأهم فى شرعية ما بعد الانتفاضة الثورية الكبرى فى 30 يونيو 2013.

وفى رأيى إن ما قالته الأحزاب الخمسة فى مذكرتها «وجهة نظر» لها احترامها، كما أن تخوفهم من «التشكيك» مشروع، ولكن ماذا عن رأى الأغلبية - بقية الأحزاب والقوى السياسية الأخرى، وأين احترام القواعد الدستورية التى وافق عليها الشعب، ثم وإذا كان هناك تخوف من التشكيك الخارجى، فلماذا نشكك نحن فى مؤسساتنا وقيادتنا، ولماذا انعدمت «الثقة» بيننا؟ لماذا نهتم بالخارج ونهمل الداخل وهو الأولى بالرعاية؟

لقد تعلمنا فى كليات الحقوق أنه «لا أجتهاد مع النص» بمعنى أنه إذا كان هناك نص دستورى أو قانونى واضح وسارى، فيجب تطبيقه بدون جدال.

والدستور الحالى الذى وافق عليه الشعب ينص فى مادته السابعة والتسعين على (ويحظر تحصين أى عمل أو قرار إدارى من رقابة القضاء)، ولذلك عندما استبدلت اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية الحالية، بهيئة وطنية دائمة تختص دون غيرها بإدارة الاستفتاءات والانتخابات على النحو الذى ينظمه القانون فيما بعد، وذلك فى المادة 208 جاء فى المادة 210 بحكم مكمل وهو «وتختص المحكمة الإدارية العليا بالفصل فى الطعون على قرارات الهيئة المتعلقة بالاستفتاءات والانتخابات الرئاسية والنيابية ونتائجها.. إلى آخر المادة».

أى أن المشرع ومعه المجتمع لم يحصن أى عمل أو قرار إدارى من رقابة القضاء.

ولكن يجب ألا نتوقف عند «ولا تقربوا الصلاة» ولا بد إذا كنا نريد أن نكون موضوعيين أن نكمـل الآية، وبالمثل يجب أن نقرأ النصوص الدستورية الأخرى المكملة، لعمل هذه الهيئة الجديدة، خاصة المادة 209 من الدستور، والتى نصت على تشكيل مغاير لتشكيل اللجنة العليا الحالية، وكذلك طريقة العمل.. وكل ذلك سوف ينظمه القانون الذى لم يصدر بعد!

ولذلك.. ولأننا بصدد استحقاقات انتخابيـة عاجلة- رئاسية وبرلمانية- نص المشــــــرع الدستورى فى باب الأحكام الانتقالية وفى المادة 228 على أن «تتولى اللجنة العليا للانتخابات ولجنة الانتخابات الرئاسية القائمتين فى تاريخ العمل بالدستور والإشراف الكامل على أول انتخابات تشريعية، ورئاسية تالية للعمل به.

ومن الطبيعى أن تعمل تلك اللجان طبقًا للقانون الذى أنشأها وحدد اختصاصها وتشكيلها، والقانون حصن قراراتها من الطعن عليها، ثم إنها أشرفت على الانتخابات الرئاسية والتشريعية السابقة، وما جرى فى الماضى سوف يجرى فى الحاضر حتى يصدر القانون المنظم لعمل الهيئة الدائمة للانتخابات!

وما أقوله ليس اجتهادا قانونيا، وإنما هى قراءة صحيحة - وبدون غرض - للنصوص الدستورية واجبة الاحترام والتطبيق، ومن حسن الحظ أنه يتفق تمام مع ما انتهت إليه الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية، وهى المحكمة المنوط بها الفصل فى دستورية أى عمل أو قرار إدارى من عدمه!

هذا هو القانون.. أما «الجدل» السياسى فلا مانع منه ولا سقف له، ولكن لابد من النظر دائما إلى المصلحة العامة والعليا للوطن، ودون الاستمرار فى تكتيكات سياسية لتحقيق مكاسب مؤقتة!

والموضوعية تتطلب الإشارة إلى أن تشكيل اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية من رئيس المحكمة الدستورية رئيسا، وعضوية كل من رئيس محكمة استئناف القاهرة، وأقدم نواب رئيس المحكمة الدستورية، وأقدم نواب رئيس محكمة النقض، وأقدم نواب رئيس مجلس الدولة.. فماذا بعد ذلك؟.. وإن لم نثق فى هؤلاء.. فهل نثق فى غيرهم؟.. أم نستحضر لجنة من الخارج؟.

ثم إن القانون ومادة (28) ينص على أن تقوم كل لجنة فرعيــــــة بالفرز فى حضور وكـلاء المرشحين أو مندوبيهم، وأن تسلم نتائج الفرز لرئيس اللجنة العامة، ونسلم صورة منها لوكلاء المرشحين أو مندوبيهم، مع السماح بحضور مندوبى وسائل الإعلام وممثلى منظمات المجتمع المدنى.

وذات الإجراءات سوف تطبقها اللجنة العامة فى كل محافظة، ثم تقوم اللجنة العليا للانتخابات وخلال خمسة أيام التالية لوصول جميع محاضر اللجان العامة إليها، بإعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية.

أى إن الضمانات تبدأ من أن كل شخص حر فى الإدلاء بصوته بطريقة سرية، ثم اللجنة الفرعية تقوم بالفرز فى وجود وسائل الإعلام ومندوبى المرشحين، وكذلك اللجنة العامة تقوم بالتجميع وإخطار اللجنة وأيضا فى وجود وسائل الإعلام ومندوبى المرشحين، ثم تعلن اللجنة العليا النتيجة النهائية.

كل ذلك بشكل علنى وتحت نظر المراقبين المحليين والدوليين، فضلا عن الرقابة الكاملة لأعضاء الهيئات القضائية على عمليات التصويت والفرز، طبقا لمبدأ قاض لكل صندوق.

فلماذا التشكيك إذا؟.. ولماذا هذا التخوف؟.. لجنة عليا من شيوخ القضاء المصرى بمختلف تخصاصاته وإشراف قضائى كامل، وعلانية فى عمليات التصويت والفرز، وبحضور المندوبين والمراقبين.

فى الحقيقة أن هذا «الاعتراض» من الأحزاب الخمسة لا يجد سنده من الدستور أو القانون، وأعتقد أن حماية الوطن من المؤمرات «المحلية والإقليمية والعالمية» طبقا لتعبير المذكرة- يتطلب سرعة استقراره والإسراع فى إعادة بناء مؤسساته الدستورية ومنها مؤسسة الرئاسة والبرلمان.

أما «التشكيك» فهو حجة واهية لا تقف على قدمين، ولعل بعضكم يتذكر اللقطة السينمائية الشهيرة فى فيلم «وإسلاماه» عندما صاح مندوب التتار «لو عايز أخاطب الشعب المصرى.. أكلم مين»؟.. فأسرعت الجماهير التى كانت بالموقع فى حمل أحدهم وإجلاسه على كرسى الحكم، وقال للترى: كلمنى أنا.. ممثل الشعب المصرى.

والمعنى أن العبرة بما تريده الجماهير.. الشعب.. فالنصوص الدستورية.. وتعديلاتها المتكررة لم تشفع لرئيسين سابقين بالاستمرار فى الحكم! فالمهم أن تتوافق على ما تريده وتحترم رأى الأغلبية، وسباق الرئاسة مفتوح.. والميه تكذب الغطاس!.. حفظ الله مصر.. وحماها من الفتنة.

تم نسخ الرابط