بقلم : محمد نجم
وهذا شاعر آخر سكت عن الشعر ثلاثين عاما، ثم تفجر على لسانه ونبغ فيه مع قدوم الإسلام، فسمى أيضا بالنابغة، إنه عبد الله بن قيس الجعدى، الملقب بـ «أبو ليلى» وكان شاعرا يمنيا ملتزما فى الجاهلية.. حيث هجر عبــادة الأصنــام وكـان يصوم، وعندما أسلم تميزت قصــــائده بالـروح الإســــلامية القوية، حيث تضمنت البعث والتوحيد والجنة والنار.
وقد شهد عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الأربعة، وكان موضع احترامهم وتقديرهم، كما شهد فتح فارس محاربا، وانحاز إلى على بن أبى طالب فى موقعة «حنين»، وعندما تولى معاوية الخلافة أمر عامله على المدينة مروان بن الحكم بأخذ أمواله، إلا أن النابغة هدد بهجاء بنى أمية فرد له ما أخذ منه، ويقال إنه عاش طويلا ومات فى أصفهان إحدى المدن الإيرانية (حاليا).
ويروى أنه وفد على النبى مع قومه وأنشد قصيدته التى يقول فيها:
أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى ويتلو كتابا كالمجرة نيّرا
بلغنا السماء مجدنا وجــدودنا وإنا لنرجو فـوق ذلك مظهرا
فسأله النبى صلى الله عليه وسلم: أين المظهر يا أبا ليلى؟.. فأجاب: «الجنة» يا رسول الله، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: أجل إن شاء الله، ثم أكمل:
ولا خير فـى حلم إذا لم يكن له بوادر تحمى صفوه أن يكدرا
ولا خير فى جهل إذا لم يكن له حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
فقال له النبى صلى الله عليه وسلم: لا فض الله فاك..
واستقر النابغة الجعدى فى المدينة ولم يرجع مع قومه إلى منازلهم وعندما بدأت الفتوح الإسلامية خرج مجاهدا مع الجيوش العربية، وأخذ يضيف إلى القصيدة التى خاطب بها النبى أبياتا جديدة تصور جهاده وتقواه.. حيث قال:
وجاهدت حتى ما أحس ومن معى سهيلا إذا مالا سمت غورا
أقيم على التقوى وأرضى بفعلها وكنت من النار المخوفة أوجرا
وعندما حدث الخلاف بين «على ومعاوية» انحاز للأول وحضر معه موقعه «حنين» مقاتلا، ثم أنشد أشعارا يمدح فيها عليا ويهجو معاوية.. ومنها:
قـد علم المصــران والعــراق أن عليا فحلهـــا العتــــاق
إن الألى جاروك لا أفاقــــوا لهـم سياق ولكم ســــياق
قد علمت ذلكــم الرفاق سقتم إلى نهج الهدى وساقوا
إلى التى ليس لها عـــراق فـى ملـة عادتهـــا النفـــاق
فقد خاطب أهل المصرين (الكوفة والبصرة) بأن عليا هو الخليفة الكريم وقد جاورتموه وتعلمون نهجه، بينما غيركم سيقوا إلى ملة عادتها النفاق ولا يعلم أحد غاياتها، ويقصد بهم أنصار معاوية!
وقد تكرر الأمر مرة أخرى.. فعندما دعا عبد الله بن الزبير لنفسه فى أواخر خلافة يزيد بن معاوية، قدم عليه الجعدى فى مكة ومدحه بقصيدة رائعة يقول فيها:
حكيت لنـا الصـــديق لما وليتنــا وعثمان والفاروق فارتاح معدم
وسويت بين الناس فى العدل ما اسْتَوَوا فعاد صباحا حالك الليل مظلم
ومع انحيازاته السياسية المتكررة والتى كانت تؤدى به كل مرة إلى التهلكة، إلا أنه كان شاعرا تقيا متأثرا بالقرآن وهو ما عكسته أشعاره.. ومنها قصيدته الشهيرة التى يصور فيها كيفية الخلق من النطفة حتى تمام الخلق الكريم:
الحمـــد لله لا شـــريك لـه من لم يقلها فنفسـه ظلما
المولج الليل فى النهار وفى الليل نهــــارا يفـــرج الظلمـــــا
الخافض الرافع السماء على الأرض ولـم يبـن تحتهــــا دعمــا
الخالق البارئ المصور فى الأرحام مـــاء حتى يصير دمــــا
من نطفــة قدهـــا مقدارهـــا يخلق منها الأبشار والنسما
ثم عظــامـــا أقامهـــا عصب تمت لحمـا كساه فالتأما
ثم كسا الرأس والعواتق أبشارا وجلــدا نخــــــاله أدمــا
والصوت واللون والمعايش والأخلاق شــتى وفـــــرق الكلما
تمت لابــــد أن سيجمعكـــم والله، مبهرا، شـهادة قسما
فأتمـــروا الآن مـــا بدا لكــــم واعتصموا إن وجدتم عصما
فى هــذه الأرض والســـماء ولا عصمــة منــه إلا لمن رحما
كما أن له أبياتا أخرى جميلة تنبع بالحكمة والموعظة الحسنة:
المـــرء يرغب فى الحيـــاة وطــول عيش قــد يضـره
تغنــى بشــــاشته ويبقى بعد حلــــو العيش مــرة
وتســوءه الأيــــام حتـــى مـا يـرى شـــيئا يســـره
كــم نامت بى إن هلكت وقائـــــــــــــــل لله دره



