بقلم : محمد نجم
كانت الصورة مؤلمة وصادمة وكاشفة عن ما وصل إليه الحال فى البلاد نتيجة «تراكم» طويل وإهمال لبعض المناطق أو الفئات فى المجتمع.. حيث عدد من المصريين فى ملابس مقطعة.. ملطخة بالدماء على ظهر عربة كارو يجرها حمار.. ولا أحد يسير خلفها، فأين حرمة الموتى؟ وأين «إكرام الميت..»!، لقد بدت الصورة وكأن البعض يزيل «مخلفات» كارثة طبيعية
أو آثار حرب أهلية بين متنازعين على نفوذ أو مناطق حدود.
نعم تطوع البعض بجمع الجثث المهملة على أرض المعركة ونقلها على ما تيسر له من وسيلة.. مدفوعا بإحساس احترام الموتى وإكرامهم بالدفن، ولكن سوف تظل تلك «الصورة» عالقة فى أذهان كل من رأها.. .
نعم.. كانت الصورة صادمة ومؤلمة ومعبرة عن غياب «الدولة» بأجهزتها المختلفة، وكاشفة أيضًا عما جرى للمصريين فى السنوات الأخيرة.. خاصة بعد ثورة الشباب فى 25 يناير 2011 فالدولة «غابت» عن المناطق المتطرفة.. أى الأطراف، فلا تنمية.. ولا فرص عمل.. فانتشرت البطالة.. وازدادت حياة الناس سوءا.. فامتلت الصدور بالغضب المكتوم والاستعداد الفورى للتنفيس عنه فى «مناسبة» أو فرصة طارئة!
لقد ظل الصعيد طويلا بعيدا عن العين والقلب.. وعن التحاور الإعلامى.. بل كان «منفى» لمن يراد عقابه من الموظفين المغضوب عليهم، ثم استبشرنا خيرًا بعد ثورة الاتصالات والمواصلات التى قرّبت المسافات بين «القلب والأطراف» وبعدما صدقنا الحكومات المتعاقبة أن هناك «استهدافًا جغرافيًا» للمناطق المحرومة من التنمية وذهبت قوافل.. وتحركت الكاميرات.. ولكن كانت المحصلة ما كشفت عنه الفتنة الأخيرة.
يجب ألا نخدع أنفسنا بأن أسباب ما حدث «شاب عاكس فتاة» تطورت إلى مشاجرة بين شباب، فمثل ذلك يحدث يوميًا وفى جميع أنحاء مصر وغالبا ما ينتهى بشخطة من كبير يتصادف وجوده، أو معلم محترم وصف بأنه كاد يكون رسولا، أو حتى من كبار العائلات وأولياء أمور الطرفين، فالمفروض أن هناك حسن الجيرة وصداقات وزميلات؟؟ ومشاركة فى السراء والضراء.. إلخ كافة ما يشكل السلام الاجتماعى فى مصر والذى جعل من مواطنيها يعيشون - مهما اختلف أصولهم أو طوائفهم - فى سلام اجتماعى دائم.
أين كل ذلك؟.. وما الذى دفع ناظر ومدرس المدرسة التى بدأت فيها الأحداث بفتح الأبواب أمام مناصرى أحد الأطراف، بل الإشارة إليهم؟ ثم ما الذى أخر أولياء الأمور وكبار العائلات فى السيطرة على الموقف ومنع تأجج المشكلة؟، ثم لماذا لم يفرض الأمن طوقًا أمنيًا على منطقة الأحداث بل يمنع حظر التجول فيها تمهيدًا لعقد جلسات الصلح المعتادة فى الريف والصعيد؟
أعود مرة أخرى للصورة التى كانت «محصلة» لغياب الدولة وأجهزتها المختلفة.. وانتشار السلاح فى كل يد.. وكأنه تليفون محمول، كما كانت أيضًا نتيجة لما حدث فى المجتمع بعد ثورة يناير.. وتراجع دور الآباء وكبار العائلات فى السيطرة على أبنائهم وشباب العائلات، فقد كان «الكبار» فى جلسة مصالحة.. بينما الشباب يتجمع لمعاودة الهجوم أخذا بثأر من قتل أو من تم الاعتداء عليهم من قبل!
أعلم تماما بحكم انتمائى لإحدى العائلات الريفية، أن هناك «دورًا» كبيرًا لبعض المشايخ والعمد وكبار الأعيان فى إجراء المصالحات بين العائلات المتنازعة بسبب خناقات الأطفال أو خلافات الحدود بين الأراضى.. إلخ، وتلك المصالحات كانت غالبًا - وما زالت - تتم قبل تفاقم الأمور وسقوط ضحايا، وكان الجميع يرحب بها ويحرص على إتمامها حفاظًا على الأرواح والممتلكات واستمرارًا لحسن الجيرة والعلاقات الاجتماعية المتشابكة بين أبناء القرية أو المنطقة.
ولكن أن «نتغيب» جميعًا.. دولة ومجتمع، ويسقط العديد من الضحايا.. قتلى ومصابين، ثم يغيب القانون وندفن مبدأ «المواطنة» ونعود إلى العصر الجاهلى حيث حديث القبائل والبطون والعشائر.
لقد أزعجنى ما قرأته حول سفر وفد من «ائتلاف» القبائل العربية إلى منطقة الأحداث لمحاولة الصلح بين القبيلتين المتنازعتين، ثم خبر آخر عن وصول وفد جديد من شيوخ قبائل مطروح وسيناء إلى أسوان لذات الغرض!
قبائل عربية؟!.. ومن نحن إذن؟!.. هل أصبحنا نحن المصريين أفارقة.. أو هنود؟ حتى يأتى رؤساء القبائل العربية للصلح بيننا؟!.. ألسنا كلنا مصريين؟ نعيش معا على أرض مصرية منذ آلاف السنين، وألسنا جميعًا سواء أمام القانون يحكمنا مبدأ «المواطنة» أى أن كل من ولد على الأرض المصرية وعاش فيها.. فهو مصرى يتساوى فى الحقوق والواجبات مع غيره من المصريين، وبصرف النظر عن النوع أو اللون أو العقيدة؟
أين دولة القانون.. والمساواة والعدل.. إلخ، لقد أحسن النائب العام المستشار هشام بركات بسرعة الانتقال إلى مكان الأحداث لمتابعة التحقيقات وأحسنت النيابة العامة بإصدارها «بياناً» وصفت فيه ما حدث.. وما اتخذ من إجراءات منها سرعة ضبط وإحضار كل من ثبت تورطه فى ارتكاب الحادث أو التحريض عليه أو المساعدة فيه..، ثم تأكيدها فى نهاية البيان على «التزامها بتطبيق القانون بمنتهى الحزم على الجميع دون تمييز، واعتبارات حسن سير العدالة ومصلحة المجتمع فى التوصل إلى مرتكبى الحادث لتقديمهم إلى المحاكمة الجنائية».
نعم.. المجتمع المدنى بما يشاء من مبادرات للصلح وإنهاء النزاع، ولكن الدولة - ممثلة فى النيابة العامة - سوف تطبق القانون وتحاسب من أخطأ.. حتى لا يتكرر ما حدث!
وحسنًا فعل المهندس إبراهيم محلب رئيس الوزراء بزيارته لأسوان وتبعه النائب العام لمتابعة التحقيقات على أرض الواقع.. هو إعلان بوجود الدولة والتلويح بعصاها الغليظة «القانون» بتوقيع العقاب على كل من أخطأ.. وبدون تمييز!
وما نطلبه أيضًا... أن «تعود الدولة» ممثلة فى أجهزتها الأخرى.. لإصلاح ما أفسده الدهر فى تلك المنطقة وغيرها من العشوائيات ومناطق الحدود، فالدولة مسئولة عن المساواة بين الناس فى التمكين وتكافؤ الفرص، وبصرف النظر عن محل عملهم أو مكان إقامتهم، فالعدالة الاجتماعية مطلوبة وواجبة لكل المصريين، فلكل منا الحق فى الحصول على نصيبه العادل من ثمار التنمية التى تجرى والتى يشارك فيها بجهده، بعد أن تتكافأ الفرص بين الجميع مع الأخذ فى الاعتبار اختلاف القدرات.
مرة أخرى.. يجب ألا تمر «فتنة أسوان» كما مرت من قبل أحداث أخرى.. فيما ظلت النار تحت الرماد، ومنها حادث غرق عبارة السلام فى البحر الأحمر، أو احتراق قطار الصعيد.. وغيرهما، فالناس عايزة «تعيش» ومستقبل الوطن ومن فيه أهم من «معاكسة شاب لفتاة» أى المهم البحث عن الأسباب الحقيقية للاحتقان المدفون فى الصدور والذى يكشف عن نفسه فى صورة عنف مسلح فى أحداث يومية عادية لا تستحق كل ذلك ولن يتحقق هذا الهدف إلا من مشاركة الجميع فى ثمار التنمية.. وتطبيق القانون على كل من يخطئ بدون تمييز؟
حمى الله مصر.. ووقاها من كل فتنة.



