بقلم : محمد نجم
هناك فرق بين التعليق على الأحكام القضائية ومناقشة منطوق الحكم على صفحات الصحف والشاشات التليفزيونية،وبين مناقشة التداعيات السياسية لبعض الأحكام فى ظروف معينة.. داخليا وخارجيا.
فالأول ممنوع ومعاقب عليه قانونًا، وخاصة عندما لا يكون الحكم نهائيًا باتا، أى استنفد طرق الطعن القانونية عليه أمام الدرجات القضائية الأعلى، ولكن يجوز لرجال القانون مناقشة الأحكام النهائية فى المجلات المتخصصة بغرض الدراسة واستخلاص المبادئ القانونية.. وهو ما يسمى بالفقه القانونى.
وأيضًا هناك فرق بين حديث القانون وحديث السياسة، وقد تعلمنا فى كليات الحقوق أنه «إذا دخلت السياسة من الشباك خرجت العدالة من الباب»، وفى كل دول العالم- وليس مصر وحدها - القضاة مستقلون ولا سلطان عليهم إلا للقانون، بمعنى أن القاضى يفصل فى الوقائع التى تضمنتها الأوراق المعروضة عليه وبصرف النظر عن اسم المتهم أو طبيعة عمله أو انتمائه السياسى، وعليه فى حالة الإدانة أن يتأكد من ثبوت التهم المنسوبة للمتهم مستعينا على ذلك بأدلة الثبوت «الأحراز» وتحريات جهات الضبط وأقوال الشهود، فضلًا عن سماع مرافعة جهة الادعاء ودفاع المتهم، أى أن المحكمة تحقق فى الوقائع بنفسها ثم تنتهى إلى الإدانة أو البراءة، ولعل «شعار» العدالة الذى يصور سيدة معصوبة العينين ولكنها حريصة على توازن كفتى ميزان العدالة.. يكشف عن طبيعة المحاكمات.. وأن الحكم النهائى هو «عنوان الحقيقة».
وبعيدا عن التعرض للحكم ووقائع القضية، فقانون العقوبات ينص فى المادة 32 منه على أنه إذا كوّن الفعل الواحد جرائم متعددة وجب اعتبار الجريمة التى عقوبتها أشد والحكم بعقوبتها دون غيرها،وإذا وقعت عدة جرائم لغرض واحد وكانت مرتبطة ببعضها - بحيث لا تقبل التجزئة، وجب اعتبارها كلها جريمة واحدة والحكم بالعقوبة المقررة لأشد تلك الجرائم.
وكذلك المادة 39 والتى تتحدث عن الفاعل الأصلى فى الجريمة، فكل من ارتكبها أو شارك فيها بالتحريض أو الاتفاق أو ساعدهم على ذلك يعد فاعلاً أصليًا وتوقع عليه العقوبة المقرررة.
ثم المادة 230 والتى تنص على أن كل من قتل نفسًا عمدًا مع سبق الإصرار على ذلك أو الترصد يعاقب بالإعدام، والمادة 235 تقول المشاركون فى القتل الذى يستوجب الحكم على فاعله بالإعدام يعاقبون بالإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة.
هذا هو حديث القانون.. كل من ارتكب فعلًا يعاقب عليه قانونًا - وكذلك المحرضون والشركاء - يعاقب بالعقوبة المقررة لجريمته، وتلك مهمة المحكمة، وإذا لم يقبل المتهم أو النيابة العامة الحكم الصادر فيجوز الطعن عليه أمام الدرجة الأعلى.
وإذا كنا دائمًا نتحدث عن حق المتهم فى محاكمة قانونية عادلة، فيجب أيضًا أن نتحدث عن حقوق المجنى عليه، وأهمها «حق القصاص»، وإلا تحوّل المجتمع إلى غابة.
وفى الحكم الذى نحن بصدده «إحالة أوراق أكثر من 600 متهم إلى المفتى» هو حكم غيابى تهديدى قصد به الردع - على ما أعتقد - وسوف يسقط من تلقاء نفسه بمجرد المعارضة فيه أو الطعن عليه أمام محكمة النقض التى - هى وحدها - تقرر إذا كانت المحاكمة التى تمت «قانونية وعادلة» من عدمه، مع حقها فى إعادة القضية إلى دائرة أخرى، وإذا لم تقر الحكم الجديد - لأسباب قانونية - فسوف تستعمل «حق التصدى» وتنظر القضية بنفسها.. وكأنها محكمة أول درجة.
هذا مع ملاحظة أن المتهمين فى تلك القضايا - فى المنيا - قتلوا 11 ضابطًا وعسكريا، و44 مواطنا، وحرقوا 4 مساجد و8 كنائس ودمروا متحف ملوى واستولوا على أسلحة جهاز الشرطة بالمحافظة.. هذا بخلاف التهم الأخرى.. وهى عديدة!
أما حديث السياسة.. فالأمر مختلف.. فهناك ما يسمى بالمواءمات القانونية أو السياسية.. ويدخل فيها مدة نظر القضية أو نوع العقوبة أو توقيت إصدار الأحكام.
كما يدخل فيها أيضًا أن القانون سارٍ،وإذا كان هناك استهجان داخلى وخارجى لعقوبة الإعدام، فلنغير القانون.. ونلغى تلك العقوبة.. أو نبقيها إذا كانت سلامة المجتمع وأبنائه فى استمرارها، بمعنى أن هذا شأن المجتمع وليس شأن المحاكم.
ويدخل فى حديث السياسة أيضًا أننا لا نعيش فى صحراء جرداء بمعزل عما حولنا، فالعالم أصبح قرية صغيرة.. وثقافة المجتمعات تختلف عن بعضها، وإذا كنا نستطيع أن نتحدث فلا يمكننا إغلاق أفواه الآخرين..،طالما قصرنا فى شرح الحقائق والظروف والملابسات المحيطة.
نعم.. نحن لا نقبل أن يتدخل أحد فى شئوننا الداخلية، وخاصة التعليق أو استنكار أحكام قضائنا المستقل، ولكن ماذا فعلنا حتى لا يحدث ذلك؟!، فمن الواضح أننا نتحدث مع أنفسنا ونخاطب بعضنا البعض فى الداخل، ومن ثم كانت تلك الاعتراضات الخارجية التى مازلنا «نتهته»
فى مواجهتها!!



