rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد نجم

مرة أخرى.. لم يعد لدينا «ترف» ضياع الوقت فى جدل سياسى وخناقات إعلامية عقيمة لا جدوى منها سوى محاربة طواحين الهواء وخلق حالة من «الضجيج» لإلهاء الرأى العام عن متابعة قضاياه الأساسية وترتيب أولوياتها.. أى دفع المواطنين للنظر إلى الخلف فى الوقت الذى يجب عليهم فيه التحرك إلى الأمام، وهو ما يعنى أن نخاطب بعضنا البعض بمقولة «تعالوا إلى كلمة سواء» من أجل مصر.. ومستقبل الأجيال القادمة.

وللأسف فالبعض مازال ينظر إلى البلد كأنها «أنجر فتة» ويبحث ويتدافع للحصول على نصيبه منه، فى حين أنه لو فكر قليلا لتأكد أن الأجيال السابقة لم تكن بهذه الأنانية البغيضة وتركت لنا بلدا «حيوى» بأرضه وموقعه وأبنائه.. مازال يمثل «محور ودفة» الأحداث فى المنطقة.

أقول ذلك بعد أن لاحظت «توقف» الإضرابات والاحتجاجات الفئوية من العمال والفلاحين والموظفين.. وهم مكونات الطبقة الوسطى.. التى هى عمود الخيمة لأى مجتمع، وأعتقد أن هذا التوقف ناتج عن وطنية حقيقية بإعطاء الفرصة للمسئولين الحاليين والقادمين لإخراجها من أزماتها الحالية.

وقد تابعت جيدا ما أعلن وما نشر من برامج المرشحين الرئاسيين ومن حسن الحظ أننى لم أجد خلافا كبيرا فى الرؤية والأهداف.

حيث يركز الاثنان على دور «فاعل» للدولة فى حماية أبنائها من العوز والفقر، وبعيدا عن فلسفة المتكلمين عن دور الدولة «الحارسة» أو الرقابى فى ظل منح القطاع الخاص قيادة عملية التنمية!

كما أنهما يستهدفان فى النهاية تحقيق ما يسمى بالعدالة الاجتماعية بين جميع المواطنين أيا كانت طبيعة عملهم أو محل إقامتهم، هذا بالطبع مع خلاف فى التفاصيل للوصول إلى هذا «الهدف» الذى انتظره المصريون كثيرا على أساس أننا كلنا شركاء فى السراء والضراء.. ومصر للجميع دون تفرقة!

لقد عانى البعض منا كثيرا وخاصة الفقراء ومحدودى الدخل من الشعار الذى رفعه فى فترة سابقة بعض الوزراء وهو «اللى ممعهوش.. ما يلزموش».. بحجة أن الدولة ليست بابا وماما!

فالبعض فهم- ومازال- دور الدولة خطأ فعليها- مثلا- أن تترك الأفراد يعملون.. وأن يجنى كل منهم ثمار عمله! وأن تقف هى على الحياد «كالمتفرج» وعليها فقط أن تركز على علاقتها الخارجية والدفاع عن حدودها، وضبط الأمن فى الداخل، وللأسف هذه الرؤية أخذ بها فى السنوات الماضية، فبيعت مقدرات البلد المتمثلة فى الشركات والمصانع والأراضى بأبخس الأثمان وللأغنياء فقط.. بحجة البحث عن «الكفاءة» الاقتصادية فى إدارة أملاك الشعب.

ولم تغب الدولة عن النشاط الاقتصادى فقط، ولكنها فتحت الباب على مصراعيه للقطاع الخاص فى قطاعى التعليم والصحة.. وأصبح لدينا أكثر من «نوع» للتعليم فىمصر.. الأجنبى.. والأميرى.. والخاص.. والمختلط.. إلخ.. وكذلك الصحة.. أكثر من درجة «للخدمات الصحية».. تبدأ من الصفر فى المستشفيات العامة وتنتهى بما يسمى الخدمة الفندقية «خمس نجوم» فى المستشفيات الخاصة.

وهكذا كان الأمر فى الثقافة والإعلام والفنون وأنشطة أخرى كثيرة.. وقد كانت النتيجة أن «تراجع» مؤشر التنافسية لمصر فى أغلب الأنشطة إلى مستويات متدنية.. لا تتناسب إطلاقا مع تاريخها ولا حجمها.. أخطرها.. نسبة الفقر فى المجتمع والتى تجاوزت الـ 40% من أبنائه، ولولا «ستر» ربنا، ودور ملموس لبعض جمعيات المجتمع المدنى، ونشاط مكثف لما يسمى بالاقتصاد غير الرسمى «الأفراد».. لكان الحال أسوأ من ذلك بكثير.

وتلك الصورة التى حاولت جمع أطرافها ليست خافية على أحد.. حكومة أو أهالى.. مؤسسات أو أفراد، ولكن نحن الآن على أبواب مرحلة جديدة.. يتنافس فيها المرشحان الرئاسيان على تحقيق العدالة الاجتماعية.. مع تغيير التوجه بنسبة ما، أى الاعتماد بدرجة معينة على الدولة ومؤسساتها الرسمية فى تحقيق الهدف المنشود، وهو ما يمكن أن نطلق عليه تمصير الاشتراكية وجعلها «اشتراكية مصرية» تتوافق مع طبيعة المجتمع وتاريخه وأوضاعه الداخلية.

بمعنى آخر.. دور أساسى للقطاع الخاص.. يسانده مؤسسات المجتمع المدنى.. ويكمله.. دور فاعل للدولة خاصة فى مجالات الصحة والتعليم والتنمية البشرية، قد تعلمنا أن الفرد هو أساس المجتمع، وأن الأسرة هى الخلية الأولى فيه، وهذا الفرد لابد أن يكون سليما بدنيا.. من خلال سهولة الحصول على العلاج المناسب وبأقل تكلفة وبجودة عالية إذا احتاج إليه، ثم يأتى بعد ذلك «التعليم» المحترم المنضبط والذى يخرج من مؤسساته بدرجاتها المختلفة، أفراد مؤهلون للعمل طبقا للمستويات المتعارف عليها، ولا بأس من وجود مؤسسات «تدريبية» لمزيد من التخصص وتوفير خبرات معينة تحتاجها بعض الأنشطة فى المجتمع.

هذه هى أساسيات العدالة الاجتماعية.. مع توافر مبدأ تكافؤ الفرص، أى «تمكين» الفرد من الحصول على فرصة عمل مناسبة، بعد تأهيله صحيا وعلميا وعمليا، ثم تسهيل حصوله على تلك الفرصة من خلال مبدأ تكافؤ الفرص، أى أن يحصل على الوظيفة من يستحقها بعد منافسة حقيقية شفافة، وبدون حجز الوظائف مسبقا للأهل والأصدقاء.. أو الأبناء كما هو حادث الآن!

وإذا كنا قد اتفقنا على الهدف.. وهو تحقيق «العدالة الاجتماعية» لجميع أبناء المجتمع وبدون تفرقة، مع تدخل الدولة- فى الوقت المناسب- لسد العجز أو النقص الناتج عن نشاطى القطاع الخاص والمجتمع المدنى، فهذا يعنى أن المجتمع يحتاج لما يسمى «بالتعبئة العامة».. أى استخدام كل ما هو متاح فى المجتمع لتحقيق هذا الهدف.

فيجب أولا العمل على سرعة تنشيط عجلة الاقتصاد، ومن ثم سوف تتوافر فرص العمل المطلوبة، وأيضًا سيتوفر «الانتاج» المتنوع لسد احتياجات المواطنين.

وتنشيط عجلة الاقتصاد.. يعنى إعادة تشغيل ما هو موجود.. من مصانع ومزارع وشركات.. بعد معالجة أسباب التوقف، وإضافة مشروعات جديدة سواء كانت صناعية أو زراعية أو خدمية.

ونحن لدينا الأرض التى يمكن استصلاحها ثم زراعتها وكذلك الخامات والثروات المعدنية.. التى يمكن تصنيعها، ولدينا - بعد التصحيح والعلاج - الخريج المؤهل للعمل حسب احتياجات السوق.. فماذا ينقصنا؟

ما ينقصنا هو العنصر الثالث.. وهو «الأموال»، وهنا أقولها بصراحة وبدون موارية.. مصر.. كمجتمع وليست الدولة.. فيها «فلوس كثيرة»، أى الأموال لدى المؤسسات الخاصة والأفراد..، لدينا فلوس فى البنوك وشركات التأمين.. والصناديق الخاصة، والبريد، ثم الأفراد.. كمستثمرين وهؤلاء لديهم أموال فى الداخل «تحت البلاطة» وأموال أخرى.. كإيداعات فى البنوك الخارجية، وكأفراد أو ما يسمى بالقطاع العائلى..، كل هذه الأموال «مجتمعة» يمكنها - مع حسن التوظيف وتوافر ضمانات معينة يمكنها تمويل.. خطة المستقبل أو التعبئة العامة المجتمعية لتنفيذ ما تريده سواء من خلال إصلاح القائم أو إنشاء جديد.

فالموارد الذاتية للمجتمع هى المورد الأساسى للتمويل، ولابد أن يحدث ذلك.. فإن لم نساعد أنفسنا فلن يساعدنا الأخرون، ثم تأتى بعد ذلك المساعدات الخارجية من الأشقاء.. والتى لا أعتقد أنها سوف تستمر طويلًا، ويلى ذلك.. «القروض» وهى ليست عورة.. أو عمل بذىء.. المهم أن يكون الاقتراض حسب الحاجة ولمشروعات محددة..  تتولى بنفسها بعد انتهاء فترة السماح.. سداد القرض من عوائد نشاطها.

وما أقوله ليس جديدا.. فجميع تجارب التنمية فى العالم اعتمدت على هذه «الخلطة» الثلاثية فى التمويل.. وهى مرة أخرى: الموارد الذاتية للمجتمع، والمساعدات، والقروض، المهم أن يتأكد الأخرون من جديتك.. ورغبتك الصادقة فى الإصلاح ومكافحة الفساد وحسن استخدام الأموال المتاحة..، مع توافر الشروط الأخرى لحسن سير أى مجتمع، وهى.. دولة القانون وتكافؤ الفرص.. وقضاء عادل وناجز، وأمن وقائى فعال، واستقرار سياسى مع حرية التعبير المسئولة.

نعم نحن نحتاج لإعادة «التعبئة» تحت عباءة ما يمكن تسميته بالاشتراكية المصرية.. أى تكافؤ فرص.. وعدالة اجتماعية .. ولا أكثر من ذلك!

 

تم نسخ الرابط