rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد نجم

هذا الشاعر المعروف كان ضحية الظروف فى بداية حياته، فقد ولد فى أسرة فقيرة مغمورة، حيث كان والده يعمل بالحجامة فى إحدى قرى مدينة الأنبار العراقية، كما أنه كان دميم الوجه قبيح المنظر- كما تصفه كتب السيرة- مما دفعه للشعور بالضياع والانخراط فى جماعة المخنثين والإكثار من اللهو   وشرب الخمر، إنه شاعرنا المشهور إسماعيل بن القاسم العينى والذى لقب بأبو العتاهية.. للأسباب السابقة، ولأنه تغزل فى جارية من جوارى زوجة الخليفة العباسى (المهدى)، فأمر بضربه، مائة جلدة وسجنه، ولكنه لم يتوقف عن ذلك واستمر فى ذكرها فى أشعاره، مما دفع الخليفة المهدى لوصفه بالعته، فغلبت الصفة على اسمه!

وقد نبغ أبو العتاهية فى الشعر مبكرا، وكان يعمل مع شقيقه فى صناعة الفخار، وكان يأتيه الناس فينشدهم أشعاره، فيكتبونها على ما تكسر من الخزف وما يشترونه من الأوانى.

تقرب من الخليفة وحصل على عطاياه وعظم شأنه لدى الوزراء وكبار رجال الدولة، وكذلك فعل مع الخليفة الهادى مع استمراره فى حياة اللهو وشرب الخمر، إلى أن تولى هارون الرشيد الخلافة، فإذا به يتحول إلى حياة الزهد والتقشف، ويحاول معه الرشيد العودة إلى مديحه، كما كان يفعل.. فيمتنع.. ويضيق الرشيد بامتناعه فيأمر بضربه وحبسه، فيستعطفه أبو العتاهيه بقوله:

إنما أنت رحـــــمة وســـلامة              زادك الله غبطة وكـــــرامة

لو توجعت لى فروحـــت عنى                        روح الله عنـــــك يوم القيامة

فيرق له الرشيد ويأمر بإطلاق سراحه.. خاصة بعد أن مدحه بقوله:

وهارون ماء المزن يشفى به الصدى                     إذا ما الصدى بالريق غصت حناجره

وأوسط بيت فى قــريش لبيته             وأول عز فى قريش وآخـــره

إذا نكب الإسلام يوما بنكبة                            فهارون من بين البرية ثائـرة

ولكن الطريف أن أبو العتاهية رغم زهده كان محبا للمال راغبا فيه كانزا له، وكان من قبل قد مدح الخليفة المهدى لهذا الغرض، حيث قال:

أتته الخلافــــــــة  منقادة                   إليـــــه تجــــر أذيـــــالها

ولم تكــــن تصـلح إلا لــــه                 ولم يك يصلـــح إلا لهــــــا

ومن بعده مدح الخليفة هارون الرشيد فى كل المناسبات ومنها توليه العهد لبنيه الثلاثة:

وشد عرى الإســـلام منه بفتية                        ثلاثة أمــــلاك ولاة عهود

هم خير أولاد، لهم خير والـــــد                       له خير آباء مضت وجدود

وعندما تولى ابنه الأمين الحكم.. بادر فمدحه:

يا عمود الإســلام خير عمود                 والذى صيغ من حياء وجـــود

إن يومـــا آراك فيه ليـــــوم                طلعت شمسه بسعد السعـــود

وعندما انتصر المأمون على الأمين.. وتولى هو الخلافة.. بادر أيضا بمدحه:

لخير إمـــام قام من خير عنصر                      وأفضل راق فوق أعـواد منبر

ووارث علم الأولين وفخــــــرهم                     والملك المأمون من أم جعفـــر

ولم يكن أبو العتاهية هجاء، ولكن عندما يرمى أحد خصومه بنباله، كانت تتحول أشعاره إلى أمثال فتتردد على ألسنة الناس، ومنها- مثلا- ما قال فى أحد معاصريه:

تعالـى الله يا سلم بن عمـــرو              أذل الحرص أعناق الرجــــال

وأيضا ما قاله فى كاتب الخليفة المأمون عندما حاول مقابلته ولم يتمكن من ذلك..

متى يظفر الغادى إليك بحاجة                        ونصفك محجوب ونصفك نائم

لقد تحولت حياة أبو العتاهية.. تحولا تاما من الغزل والخمر إلى الزهد والتقشف، وظل طويلا يندم على ما فعله.. ويستعد لما هو آت:

نعى لك ظـــل الشباب المشيب                        ونادتك باسم سواك الخطوب

فكن مستعدا لداعـــى المنون                           فكل الذى هـــو آت قريب

وقبــلك داوى المريض الطبيب                       فعاش المريض ومات الطبيب

وكثرت مواعظه ونصائحه للناس من أن هناك بعثا وحسابا.. مثل قوله:

فلــــو أنا إذا متنـا تركنا                                لكـان الموت غاية كل حى

ولكننـــــا إذا متنا بعثنا                                  ونســـأل بعده عن كل شىء

كما أكثر من الأدعية وطلب المغفرة والعفو من الله على ما ارتكبه من ذنوب..

إلهى لا تعذبنى فإنــــــى                                مقـر بالذى قد كــــــان منى

ومالى حيلة إلا رجــــائى                              لعفوك إن عفوت وحسن ظنى

وكذلك مخاطبته للزمن الذى يفنى البشر قبل أن تتحقق أمانيهم، والناس لا تعلم أن كل شىء مقدر سلفا.. يتساوى فى ذلك العبد والملك:

نصبت لنا دون التفكير يا دنيا             أمانى يفنى العمر من قبل أن تفنى

لكل امرئ فيما قضى الله خطه               من الأمر فيها يستوى العبد والمولى

ونختم ببعض الأبيات الجميلة المعبرة والتى نرددها جميعا بعد أن تتغير أحوالنا وتتبدل أوضاعنا.. وكما قال شاعرنا المعروف:

بكيت على الشباب بدمع عينى                             فلم يغن البكاء ولا النحيب

فيا أسف أسفت على شـــــباب                        نعاه الشيب والرأس الخضيب

عريت من الشباب وكنت غضا               كما يعرى من الورق القضيب

فياليت الشـباب يعود يومــــا                           فأخبره بما فعـــــــل المشيب

تم نسخ الرابط