rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد نجم

إذا كان الشعر العربى الجاهلى قد بدأ بالملك الضليل امروئ القيس، فقد ختم بهذا الشاعر العاشق غيلان بن غصة من بنى عدى (موطن الحب العذرى وأبطاله المشهورين)، والذى اشتهر بلقب ذو الرمُّة، وتروى كتب السيرة لهذا اللقب ثلاثة تفسيرات، أحدها ما قاله الشاعر نفسه يصف وتدا عليه قطعة بالية من الحبل: «أشعث باقى رمة التقليد»، والثانية أنه وهو غلام كان يتفزع وهو نائم، فذهبت أمه لمقرئ القبيلة فكتب له ما يشبه «الحجاب» فى قطعة من الجلد الغليظ، وعلقته أمه فى رقبته بحبل فسمى ذا الرمة، أما التفسير الثالث فقيل إن حبيبته ميه التى شغفت قلبه حبا هى التى لقبته بذلك حين ألَّم بخيمتها يطلب ماء، وكان على كتفه رمُّه (حبل قديم)، فلما أحضرت الماء ولم تكن تعرف اسمه، قالت له: اشرب يا ذا الرمُّة!

وقد وصف شاعرنا بأنه كان ظريفا حسن الحديث حلو المنطق، مع أنه كان قصيرا دميما، كما وصفت ميه بأنها كانت خمرية اللون عذبة الكلام، وكانت بنت زعيم إحدى القبائل من تميم.

وقصة معرفته بميه بدأت بخروجه وأخوه وابن عمه للبحث عن.. أبل ضلت العودة من مرعاها، حيث يقيمون بشرق الجزيرة العربية بالقرب من عشيرة ميه، وعندما شعروا بالعطش طلب منه رفيقاه أن يأتيهما بماء، فذهب إلى الخيمة القريبة من طريقهم.. فتعرف بميه التى أعطته ما أراد وتحدثا قليلا، ولكنه قد وقع فى هواها وعلق قلبه بها، وحكى ما حدث لأخيه وابن عمه فتضاحكا معه وتعجبا له.

ولكنه لم يتوقف وعاود الزيارة، حيث اللقاء والحديث الطويل ولم يكن يأبه بما يتحمله من شقة.. بل كان يسعد بذلك كثيرا.. حيث قال:

وكنت إذا ما جئت ميَّا أزورها

أرى الأرض تطوى لى ويدنو بعيدها

من الخفرات البيض ود جليسها

إذا ما انقضت أحدوثه لو تعيدها

وكان لذى الرمُّة صديق يسمى عقبه بن مالك.. كان يصطحبه معه عندما يعلم أن رجال العشيرة قد خرجوا منها سواء للرعى أو للحرب، وفى إحدى الزيارات تجمعت حولهما نسوة القبيلة وطلبن من ذى الرمُّة أن ينشدهن من شعره، فطلب من صديقه أن ينشدهن نيابة عنه فأنشدهن من شعر ذى الرمُّة قوله:

وقفت على ربـــع لميه ناقتى

فمازلت أبكى عنده وأخاطبه

وأسقيه حتى كاد مما ابثه

تكلمنى أحجـــاره وملاعبه

فاسيلت العينين والقلب كاتم

بمغرروق نمت عليه سواكبه

فقالت إحدى النساء الحاضرات مخاطبة ميه: قتلته، قتلك الله، فردت ميه: ما أصحه وهنيئا له، فتنفس ذو الرمة نفسا حارا كادت تنهمر بسببه دموع الحاضرات من النسوة!، واللاتى تحركن بعيدا عنهما ومعهن رفيقه، فبدأ ذو الرمُّة يشكو لها حبه وشدة تعلقه بها، وهى تناكفه وتدعى عليه أنه غير صادق فيما يقول.. وزاد تأثره وذرفت دموعه وأخذ ينشد ويقول:

ولما شكوت الحب كيما تثيبنى

بوجـــدى قالت إنمــا أنت تمزح

بعادا وإزلالا علىّ وقد رأت

ضمير الهوى قد كان بالجسم يبرح

لئن كانت الدنيا علىّ كما أرى

تباريح من ذكــراك فالموت أروح

فرقت له ودخلت إلى خيمتها وجاءته بقاروة عطر وقلادة، فأهدتهما إليه تعبيرا عن مودة وحب.. وودعها وعاد مع رفيقه إلى دياره.

ولكن مشكلته أن أباها كان من إشراف العرب.. ومن ثم فقد تردد كثيرا فى التقدم لخطبتها، وعندما تقدم إليها فتى من عشيرتها وافق أباها وزفت إليه، ولما علم ذو الرمُّة بذلك اصطحب بعض من رفقائه محاولا رؤيتها وهم يمنعوه عن ذلك وينصحوه بنسيانها وقد وصف قولهما بشعره حيث أنشد:

أما أنت عن ذكراك ميه مقصرُ

ولا أنت ناسى العهد منها فتذكرُ

تهيم بهــا مـــا تستفيق ودونها

حجــاب وأبـــــواب وستر مسترُ

ولكنه أصر أن يذهب إلى حيث تقيم، وتصادف أن حاول ذلك فى ليلة ظلماء على أمل ألا يتعرف عليه زوجها، ولكنه عرفه ولم يدخله البيت وأخرج إليه الطعام بالخارج، وعندما وجد نفسه وحيدا حاول التغنى بأشعاره لعل ميه تسمعه فتخرج إليه.. فقال:

أراجعــه يامى أيـــــامنا الآلى

بذى الأثــــل أم لا مالهن رجوع

لقد حاول تذكيرها بلقائتهما بموقع ذى الأثل لعلها تلين وتلتقيه، ولكن زوجها سمعه وغضب وطلب من ميه أن تصيح فيه وتشتمه وتطرده وإلا ضربها بالسيف وقضى عليها، ففعلت بما أُمرت، فرحل غاضبا باكيا.. ولم يستطع نسيانها فأصابه المرض وسرعان ما حضرته الوفاة.

وقد ترك ذو الرمُّة ديوانا ضخما من الشعر أغلبه فى الوصف وخاصة الصحراء التى كان عاشقا لها مقيما فيها، وكان يتميز بطول القصائد.. ومنها قصيدته الشهيرة التى يصف فى بدايتها دموعه.. وكأنها مياه تسقط من قربة مقطوعة.. حيث يقول:

ما بال عينك منها المـاء ينسكب

كأنه من كلى مفريه سكب

استحدث الركب عن أشياعهم خبرا

أم راجــع القلب من أطرابه طرب

وكذلك قصيدته الشهيرة والتىتصل إلى ثلثمائة بيت «يا دار ميه بالخلصاء».. والتى يقول فيها:

قد هجت يوم اللوى شوقا طرفت به

عينى فلا تعجمى من دونى الخبرا

يقول بالزرق صحبى إذا وقفت بهم

فى دار ميه استسقى لها المطرا

لو كان قلبك من صخرة لصدَّعة

هيْجُ الديار لك الأحزان والذكرا

وها هو يخاطب ربه الذى يعلم بحاله أن يفرج كربه، وإن فاضت روحه يبعده عن النار ويدخله جنته..

يارب قد أشرفت نفسى وقد علمت

علما يقينا لقد أحصيت آثارى

يا مخرج الروح من جسمى إذا احتضرت

وفارج الكرب زحزحنى عن النار

تم نسخ الرابط