بقلم : محمد نجم
يعتقد بعض المتزاحمين فى الشارع السياسى حاليًا أن التأييد الكاسح الذى حصل عليه الرئيس السيسى فى الانتخابات الرئاسية.. سوف يشملهم وأن الجماهير سوف تحملهم على أعناقها إلى مقاعد البرلمان، وذلك بحجة أنهم «رجال حول الرئيس»، كما أنهم كانوا من رواد ميدان التحرير طوال فترة حكم الإخوان وما قبلها، ومن ثم نسمع ونقرأ عن اجتماعات وتحالفات وقوائم، ثم اعتراضات وألاعيب انتخابية وكأن الناخبين منتظرون لتنفيذ ما يأمرهم به هؤلاء الساسة الجدد.
بالطبع هذا اعتقاد خاطئ لا أساس له على أرض الواقع، لأنه أولًا الانتخابات الرئاسية تختلف تمامًا عن الانتخابات البرلمانية، والمشكلة أن بعضهم يعلم ذلك جيدًا، ففى الأولى اختار الناس قائد ومنقذًا للبلاد، مما كانت فيه أو عليه، أما فى الثانية فالناس تختار القريب منها نفسيا وماديا.. أى من يستطيع أن يساعدهم فى الحصول على حقوقهم أو قضاء مصالحهم أو دفع الظلم عنهم، وفى كل الأحوال من يتمكنون من طرق بابه فى أى وقت للحصول على المساعدة المطلوبة وأيًا كانت طبيعتها.
وثانيًا:فالرئيس السيسى لم يترشح للانتخابات الرئاسية ممثلًا لحزب أو تيار سياسى معين، ومن ثم يجب انتخاب أعضاء حزبه أو كوادر التيار الذى ينتمى إليه.. مجاملة للرئيس أو لتكوين ظهير سياسى له!، أبدًا.. هذا لم يحدث.. فالكل يعلم أن السيسى فوض من الجماهير لإنقاذ البلاد، وبعد أن نجح فى مهمته.. طالبته الجماهير بالترشح للرئاسة، ثم أعطته أصواتها بنسة عالية فى الانتخابات فى رسالة واضحة لتأكيد التفويض السابق فى استكمال ما بدأه وإعادة بناء مؤسسات الدولة والخروج بالبلاد من أزمتها التى طالت نسبيا.
والمعنى أن السيسى لن يحمل أحدًا على أكتافه، وليس مدينًا بفواتير واجبة السداد، وهو الآن رئيس لكل المصريين، الذين انتخبوه أو امتنعوا عن ذلك، أو انتخبوا أحدا غيره، فلا يجوز لأحد أن يحسب نفسه على الرئيس، أو ينتظر أن الجماهير سوف تنتخبه لقربه منه!
وثالثًا: وهو مربط الفرس.. الانتخابات البرلمانية لها قواعدها المعروفة.. والمجربة سلفًا، وليس منها الشهرة الإعلامية للمرشح، فهذا ملعب آخر مختلف تمامًا عن ملعب الانتخابات ومن بعده ملعب البرلمان، فقد يعجب الجماهير بأحد ممن يتحدثون فى التليفزيون أو يكتبون فى الصحف، حيث يرون أن هذا الرجل يقول أو يكتب «كلام زى الفل»، ولكن عندما يبحثون عمن يمثلهم فى البرلمان.. فإنهم يختارون شخصًا آخر.. ربما يكون غير مشهور ولا يجيد الحديث المنمق، ولكنهم يعرفونه.. ويثقون فيه.. ويعلمون تمامًا أنه سيكون بجانبهم عندما يحتاجونه، ويؤكد ذلك ويدلل على صحته فى الغالب أن بعضا من هؤلاء الذين يتزاحمون فى الكادر الإعلامى قد فشل فشلا ذريعا عندما أسندت إليهم مواقع تنفيذية.. خلال الشهور والسنوات القليلة الماضية.
لقد ارتفع الوعى السياسى لدى الناس، كما أصبح المجتمع مفتوحا.. يتحرك اللاعبون فيه وكأنهم على الهواء مباشرة، فلا أسرار ولا خفايا ومن اختبر وفشل لا يجوز له أن يتمسك بتلابيب السلطة ولو كان من خلال خداع الجماهير والإلحاح عليها لانتخابه.
ومشكلة الإخوة المتزاحمين حاليًا فى الشارع السياسى أنهم معروفون إعلاميا وهم أناس أفاضل ومحترمون، وهم قادة أحزاب.. ومسئولون سابقون.. وبعضهم من رجال الفكر.. وبعضهم نشطاء سياسيون، ولكن مشكلتهم جميعًا أنهم بعيدون عن الجماهير.. أى لا يعملون على الأرض، وهى نقطة ضعف تدفعهم للخوف من المنافسين، ومن ثم يسعون إلى إقصائهم من البداية بحجج مختلفة، فمنهم الفلول ومنهم الإخوان ومنهم السلفيون أى بدلا من معالجة ما يعانون منه من نقطة ضعف، فهم يلجأون إلى «الضربة القاضية» لإنهاء المباراة قبل أن تبدأ، والضربة القاضية فى الانتخابات هى الإقصاء من البداية وهو ما يسميه البعض بالضرب تحت الحزام، أو الإعدام السياسى لفئات عديدة من المواطنين بسبب خلافات سياسية تحتمل الصواب والخطأ.
وهذا الرأى الذى أقوله حاليًا سبق وكتبته ونشرته فى ذات المكان فى شهر نوفمبر عام 2011، وكان بعنوان «امسك فلول».. انتهيت فيه إلى: إذا كنا نقر ونعترف فى الدستور وفى غيره من الوثائق القانونية.. بأن الشعب وحده هو مصدر السلطات، فلماذا يخشى البعض منه، خاصة المتنافسون فى الانتخابات من حكم الشعب، الذى سيقرر من ينوب عنه فى عضوية البرلمان من خلال آلية الاحتكام لـ «الصندوق» أما لماذا كتبت ذلك وقتها.. ومازلت مقتنعا به؟!.. فإنى استأذن القارئ الكريم فى إعادة نشر الحيثيات مرة أخرى.
«إننى لا أدافع عن أعضاء الحزب الوطنى السابقين ولم أكن من قبل منهم.. ولم أنتم أبدًا لحزبهم، ولكن مشكلة دارسى القانون مثلى.. هى الحرص على النظرة الموضوعية للأشياء والوقائع وضرورة تجنيب العواطف الشخصية عند الحكم على الأحداث، والأهم من كل ذلك.. هو ضرورة تطبيق المرجعية المتفق عليها محليا وعالميا عند أى خلاف بين أطراف متعددة.. وهو هنا «القانون» الذى يساوى بين الجميع فى الحقوق والواجبات.. ولأن القضاء هو «الحكم» فى تطبيق القانون.. فلا بد إذن من الاحتكام إليه.. والانصياع إلى أحكامه النهائية.. وإن كانت ضد مصالح البعض الشخصية أو الانتخابية.. بل السياسية بصفة عامة.
لقد كتبت من قبل أن مشكلة بعض المواطنين - حسنى النية - أنهم تعاملوا مع الحزب الوطنى على أنه إحدى مؤسسات الدولة بحكم رئاسة رئيس الجمهورية له.. وأيضًا باعتباره الوريث الشرعى للاتحاد الاشتراكى والاتحاد القومى من قبل.. والذى كان يجمع فى عضويته جميع قوى الشعب العامل! ومن ثم فقد رأى البعض منهم أن عضوية هذا الحزب واجبة سواء كان ذلك طوعا أو جبرا.. خاصة إذ قام رئيسه المباشر بملء استمارة عضوية الحزب بالنيابة عنه.. وهو ما كان يحدث - للأسف - فى أحيان كثيرة فى محاولة من أمناء المحافظات والمراكز على توسيع العضوية فى الحزب المحتكر للنشاط السياسى لمدة ثلاثين عاما مضت!
كما تجب الإشارة - وأنا هنا أتحدث بموضوعية قد تكون صادمة للبعض - بأن مصر تعودت على الميراث الفرعونى طوال عمرها.. من حيث وجود «قائد» و«رعية»، وللأسف هى عادة مصرية مذمومة ولأنها كانت موجودة على مدى السنوات الطوال الماضية سواء فى عهد الاحتلال أو فى العهد الملكى.. وأيضًا فى العهد الجمهورى برؤسائه الثلاثة.. فالقائد دائمًا هو الأب وهو الملهم.. وهو صاحب التوجيهات واجبة التنفيذ من قبل الرعية.. وللأسف هذه العادة مازالت موجودة فى كل وزارات وشركات ووحدات الدولة وهو ما يبرره البعض.. بأن «الرئيس» هو المسئول، ومن ثم فنظراته تعليمات..وإشاراته قرارات وكلامه قانون.. هذا هو الواقع المعاش فى كافة وحدات الدولة.. إلا من رحم ربى! فلكل قاعدة استثناء.. والاستثناء فى ذلك قليل».
انتهى الاقتباس، وأعود للتأكيد على احترام إرادة الشعب فى اختيار من يمثله فى البرلمان بعيدًا عن الألاعيب الانتخابية التى لم تعد تتلائم مع الظروف الجديدة.



