rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد نجم

لا يخفى على أحد مضمون الرسالة التى أراد الرئيس السيسى إبلاغها إلى الجميع بمبادرته بالتنازل عن نصف راتبه الشهرى ونصف ما آل إليه من والده من ميراث، فمغزى الرسالة واضح لا لبس فيه، وهو أننا على أعتاب عهد جديد سوف نتشارك فيه جميعًا فى السراء والضراء، وإذا كان الله قد وَسّع على بعضنا بالرزق.. فالحديث الشريف يقول: (من كان معه ‏ ‏فضل ‏ ‏ظهر ‏ ‏فليعد به ‏ ‏على من لا ‏ ‏ظهر ‏ ‏له ومن كان له ‏ ‏فضل ‏ ‏من ‏ ‏زاد ‏ ‏فليعد به ‏ ‏على من لا ‏ ‏زاد ‏ ‏له).

فقد انتهى زمن احتكار  المغانم الناتجة عن الاستئثار بثمار ما يجرى على أرض البلاد من تنمية، وآن لكل مصرى أن يحصل على نصيبه العادل وبما يتناسب مع ما يبذله من جهد ذهنى أو عضلى فى خدمة بلده وأيًا كان طبيعة عمله أو محل إقامته.

نعم.. هذا هو المضمون الأساسى لمبادرة السيسى، أضف إليها ما يسمى بـ «القناعة» فى أن يحصل كل منا على ما يكفيه للعيش فى حياة كريمة، دون أن يحاول التكالب فى جمع ما تطوله يده من أموال بسبب منصبه أو موقعه.. فالكفن ليس له جيوب.

فالرئيس يريدنا أن نعيش جميعًا فى مجتمع «تكافل اجتماعى» وأن (المليان يكب على الفاضى)، وكما كان يفعل أجدادنا وآباؤنا الذين كانوا يراعون الله وضميرهم فى كل ما يقومون به.

لقد سكت الرئيس السيسى وتمهل فى طرح التساؤل الواجب: أين الدور الاجتماعى للرأسمالية المصرية؟ وأين المسئولية الاجتماعية للشركات الوطنية.. وخاصة الكبرى منها؟

لقد أثرى البعض ثراء فاحشا خلال السنوات الماضية سواء من خلال التلاعب فى البورصة أو من خلال حصوله على مساحات شاسعة من الأراضى بمجاملات فجة، أو من خلال الاحتكار العائلى لبعض المناصب المهمة والتى تدر على أصحابها دخولا باهظة، وللأسف.. فبدلا من أن يرد هؤلاء الجميل للبلد التى أثروا على أرضها ومن خيرها ويجهود أبنائها.. يلاحظ أن البعض منهم يتهرب من سداد ما عليه من مستحقات ضريبية واجبة.. حتى بلغ إجمالى المتهرب من سداده حوالى 70 مليار جنيه!

ألا يعلم هؤلاء أن هناك مقولة مشهورة تنص على أن «الغرم.. بالغنم» أى يجب أن تدفع للمجتمع نصيبه مما حصلت عليه.. بالطرق الحلال، لأنه ببساطة شديدة قد وفر لك ما ساعدك للحصول على هذا الغنم.

ويحضرنى هنا مثل- قد لا يعجب البعض- فيما تقوم به بعض المؤسسات التى فتح الله عليها بالرزق من وَسَع من خدمات تعليمية واجتماعية، وهى مؤسسة «فولبرايت» الأمريكية، والتى تمتد خدماتها إلى جميع أنحاء العالم وليس فى أمريكا وحدها، فمن منا لم يسمع عن منحة فولبرايت لتعليم اللغات الأجنبية أو لاستكمال دراسات الماجستير والدكتوراه.. وغيرها من البرامج التدريبية والثقافية.

وأعلم وبحكم تخصصى المهنى أنه لدينا فى مصر مؤسسات مماثلة وأذكر منها على سبيل المثال مجموعة ساويرس، وفريد خميس، ومحمد رشيد بالإسكندرية وغيرها من المؤسسات التى قد لا يعلم الإعلام عنها شئيا.

ولكن هناك أيضا مؤسسات وأشخاصا تتصرف إعلاميا وكأنها تخرج لسانها للمجتمع والناس.. بإقامة منتجعات فاخرة، وتنظيم حفلات مبهرجة.. ومن يسعده حظه ويحضر إحداها من التى تقام فى القاعات الفخمة بفنادق الدرجة الأولى.. سوف يتساءل: كيف يصل حد الفقر إلى ما يزيد على 40% فى المجتمع.. مع وجود كل هذا الثراء الواضح!

لا أحد ضد أن يستمتع البعض بما فاء الله عليه من رزق سواء بالوراثة أو بمجهوده الحلال، فسبحان الله تعالى هو موزع الأرزاق، ولكننا نتحدث هنا عن الالتزام بمستحقات الدولة من ضرائب وجمارك ورسوم، وعن الأعمال المشروعة وعن العدالة الاجتماعية والتى من أبرزها إعادة توزيع الدخل حسب الكفاءة والجهد المبذول.

ومرة أخرى.. نعود لمبادرة الرئيس السيسى.. والرسالة هذه المرة للحكومة وللمجتمع، فالرئيس يعلم تماما أن التبرعات قد تحرك بعض المياه الراكدة فى الاقتصاد أو تسد بعض الثغرات فى الطلبات العاجلة والملحة، ولكنها لا تبنى اقتصادا يتمتع باستدامة النمو، فقد جربنا ذلك من قبل ولم يتجاوز المبلغ الذى جمعه صندوق دعم الاقتصاد المليار جنيه، ولا أعتقد أن الصندوق الجديد «تحيا مصر» سوف يتجاوز ضعف هذا المبلغ فى حين أن عجز الموازنة العامة المعلن لا يقل عن 350 مليار جنيه، وأن هناك محاولات لتخفيضه وبما لا يزيد على 280 مليارا من الجنيهات.

ومن هنا.. أعتقد أن الرسالة إلى الحكومة تتلخص فى ضرورة وضع برنامج عمل بتوقيتات زمنية من خلال تحويل البرنامج الانتخابى للرئيس السيسى إلى خطط تنفيذية سواء كانت خمسية أو سنوية، وأن تعمل الحكومة على تنفيذها ذلك بكل جدية وحزم.

ومن ذلك مثلا تخفيض الحد الأقصى للأجور- مؤقتا ولمدة ثلاث سنوات- إلى 21 ألف جنيه شهريا،وأن يتم التطبيق فى جميع القطاعات التى يساهم فيها المال العام بأى نسبة.. ومنها على سبيل المثال قطاع الأعمال العام، والهيئات الاقتصادية، والبنوك.. وقطاع الغاز والبترول.. وغيرها من الفئات المستثناة حاليا.

يتزامن مع ذلك إعادة النظر فى منظومة الدعم الحالية.. تلك المنظومة التى تعاقب الحكومات السابقة على دراستها ولكن لم يجرؤ أحد على اتخاذ القرارات التنفيذية الواجبة لسرعة التطبيق، مع أن الكل يعلم أن نسبة كبيرة من هذا الدعم يذهب لغير مستحقيه.. بل الأكثر استفادة منه هى الطبقة الأكثر ثراء فى المجتمع.

كما أن الكل يعلم أن هناك أناسا موهوبين فى الإدارة وأن هناك أناسا يجيدون الحديث والتنظير على شاشات التليفزيون وعلى صفحات الصحف، ولا يجب أن تختلط الأمور، فلكل واحد ملعبه، ومن ثم وجب حسن اختيار القيادات فى كل المواقع فى المرحلة المقبلة، أى ضرورة تفعيل المبدأ الشهير بالاعتماد على أهل الخبرة دون أهل الثقة.

وأن تحسن الحكومة استخدام «الحزمة التنشيطية» الجديدة وضخها فى أماكن ومواقع تحقق قيمة مضافة فى المجتمع، فقد تم من قبل ضخ حزمتين متتاليتين فى أقل من عام أحدهما كانت بحوالى 30 مليار جنيه، والأخرى بحوالى 34 مليارا، ولم يتحقق منهما ما كان متوقعا، لأن علم الاقتصاد- ووزرائنا أساتذة فى ذلك- يقول إن الاقتصاد يتحرك بوجود طلب فعال، أى زيادة فى الإنتاج، من خلال تنشيط ما هو قائم وإصلاح ما هو متوقف، فماذا لو ضخت الحكومة الحزمة التنشيطية الجديدة فى المصانع المتوقفة بسبب عجز التمويل.. وليكن ذلك على سبيل القروض الميسرة تسدد بعد فترة سماح مناسبة وبفوائد نسبية.

أما الرسالة الأخيرة من مبادرة الرئيس فهى للمجتمع وهى أن يتوقف عن الاعتماد على ما يسميه أهل الاقتصاد «بالاقتصاد الريعى» أى المتحصلات سواء كانت تحويلات المصريين من الخارج، أو عائد النشاط السياحى، أو رسوم المرور بقناة السويس أو عائدات الصادرات البترولية.

وباللغة العامية البسيطة.. «لابد أن نأكل من عرق جبينا».. أى أن نعمل بجد، وأن نحقق قيمة مضافة بعملنا، وأن يكون لدينا رؤية بماذا نحن فاعلون غدا وبعد غد، وأن نتوقف عن العيش بنظام يوم بيوم.

نعم لدينا مشاكل.. ولكن لا توجد مشكلة من غير حل، والحلول ليست مستحيلة، ويكفى الإشارة هنا لرغبة الأشقاء العرب وحماسهم للمساعدة فى سد فجوة التمويل المطلوب من خلال مؤتمر المانحين المقرر انعقاده بعد عيد الفطر مباشرة، ومن ثم يجب أن نساعد أنفسنا حتى يستمر الآخرون فى مساعدتنا.. وأولى الخطوات فى ذلك.. هو العمل.. بجد وبإخلاص.. ومصر تستحق منا ذلك وأكثر..

 

تم نسخ الرابط