rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد نجم

 

فيا عجبا لمن ربيت طفلا                              ألقمه بأطراف البنان

أعلمه الرماية كل يوم                                   فلما اشتد ساعده رمانى

أعلمه الفتوة كل وقت                                   فلما طر شاربه جفانى

وكم علمته نظم القوافى                                فلما قال قافية هجانى

 

هذه الأبيات كنا نرددها جميعا كمثل وحكمه على من لا يقدرون المعروف ولا يصونون العهد والذين ينقلبون على من علمهم وأكرمهم.. وبمعنى آخر يعضون الأيادى التى امتدت لهم.. وعلمتهم بعد جهل وأغنتهم بعد فقر!

المهم أننا كنا نردد تلك الأبيات فى المناسبات المختلفة ولم يكن أغلبنا يعلم أنها للشاعر المخضرم معن بن أوس المزنى والذى أدرك الإسلام واعتبر من أفضل شعراء العصر الإسلامى مع زهير بن أبى سلمى وحسان بن ثابت وغيرهما.. وقد قال شاعرنا الأبيات السابقة فى قريبه الشاعر العربى المعروف عمرو بن أبى ربيعه، وقد شهد له الخليفة الأموى عبد الملك بن أبى مروان أنه من أشعر الناس، حيث تصادف أن كان فى مجلسه جمع غفير، وطلب أن يقول كل منهم أفضل شعر سمع به، فذكر البعض أبياتا لأمرئ القيس وآخرين لكل من الأعش وطرفة بن العبد وغيرهما، وبعد أن انتهوا قال عبدالملك: أشعرهم- والله- الذى يقول:

وذى رحم قلمت أظافر ضغنه

بحلمى عنه وهو ليس له حلم

إذ سمته وصل القرابة سامنى

قطيعتها، تلك السفاهة والإثم

ويسعى إذا ابنى لهدم صالحى

وليس الذى يبنى كمن شأنه الهدم

يحاول رغمى لا يحاول غيره

وكالموت عندى أن ينال له رغم

فمازلت فى لين له وتعطفى

عليه كما تحنو على الولد الأم

لأستل منه الضغن حتى سللته

وقد كان ذا حقد يضيق به الجرم

وهو هنا أيضا يتحدث عن المعروف الذى لم يصادف أهله، فهذا شخص ذو قرابة «يكره» من حوله، وهو يحاول معه ويوصله وهو يقاطعه، ولم يكتف بذلك، ولكنه يحاول إرغامه على أشياء ولكن الشاعر يواصل الحنو عليه كما تحنو الأم على وليدها، حتى تمكن فى النهاية من انتزاع الكره من قلبه!!

ونظرا لأن شاعرنا ولد فى العصر الجاهلى- أى قبل الرسالة المحمدية- فقد عاصر عمليات وأد البنات، وكان هو يحسن صحبة بناته وتربيتهن، بينما لاحظ أن بعض أقاربه يظهر الجزع والكره إذا ولدت له بنت، ولذلك قال:

رأيت رجالا يكرهون بناتهم

وفيهن لا تكذب نساء صوالح

وفيهن والأيــام تعثـــر بالفتى

عوائــــد لا يمللنه ونوائــح

وهو هنا يتساءل كيف يكره الرجال بناتهم وفيهن- مستقبلا- نساء صالحات.. فهى الأم والأخت والزوجة.. بل عندما يعطى الدهر ظهره لأى فتى تجدهن من يتحمله ويرعاه!

وكثيرا ما كان يخاطب شباب قومه بالحفاظ على العادات والتقاليد القبلية الأصيلة، وإلا يئسيوا بتصرفاتهم لآبائهم أو يضيعوا ما تركوه لهم.. حيث يقول:

ورثنا المجد عن آباء صدق

أســــأنا فى ديــارهم الصنيعا

إذا الحسب الرفيع تواكلته

بناة السوء أوشك أن يضيعا

ولشاعرنا قصيدة جميلة بعنوان «لعمرك ما أهويت كفى لريبة» يتحدث فيها عن استقامته وترفعه عن الصغائر والضغائن وتجنبه للفواحش وإكرامه للضيف.. حيث يقول:

لعمرك ما أهويت كفى لريبة

ولا حملتنى نحو فاحشة رجلى

ولا قادنى سمعى ولا بصرى لها

ولا دلنــى رأى عليها ولا عقلى

وإنى حقا لم تصبنى مصيبة

من الدهر إلا قد أصابت فتى قبلى

ولست بماشٍ ما حييت لمنكر

من الأمر لا يمشى إلى مثله مثلى

ولا مؤثرا نفسى على ذى قرابة

وأوثر ضيفى ما أقام على أهلى

ونختم بقصيدته التى يفتخر بها بقبيلته «مزينة» وكيف كانوا يتعاملون مع الأصدقاء، وماذا فعلوا بالأعداء:

فيا أيها المرء الذى ليس صامتا

ولا ناطقا أن قال فصلا ولا عدلا

إذا قلت فاعلم ما تقول ولا تكن

كحاطب ليل يجمع الدق والجزلا

مزينة قومى إن سألت فإنهم

لهم عزة لا تستطيع لها نقلا

نقول فيرضى قولنا ونعينه

ونحن أناس نحسن القيل والفعلا

فكم من عدو قد أباحت رماحنا

وكم من صديق نال من سيبنا سجلا

تم نسخ الرابط