rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد نجم

دع سمائى فسمائى محرقة

دع قناتى فمياهى مُغرقة

وأحذر الأرض فأرضى صاعقة

هذه أرضى أنا وأبى ضحى هنا

نعم.. كان حلما فخاطرا فاحتمالا.. ثم أضحى حقيقة لا خيالا، ولاّ زمان يا مصر.. يبدو أنه قد عادت شمسك الذهبى، الأحفاد على درب الأجداد، شباب زى الورد.. يحملون الفئوس و«المغالق» ويدهم بيد رئيس الجمهورية يدشنون توسعة وتعميق القناة التى حفرها أجدادهم بدمائهم، لقد كانت «اللقطة» ذكية معبرة.. جميلة موحية بالأمل المؤكد فى المستقبل الذى يصنعه شباب اليوم.. رجال الغد.. زهور مصر المتفتحة المتحمسة أحفاد الآباء المؤسسين.. الذين فجروا الصخر بأناملهم الذهبية.. وتركوا لنا ميراثا قيما مازال يمثل موردا مهما يتزايد حجمه سنويا وعلى مدى مئات السنين الماضية والقادمة إن شاء الله..

ولكن شتان بين «اللقطتين».. منظر الأجداد وهم مربوطون فى حبل ويسحبهم أحد الخفراء حفاة شبه عراة إلا من «جلابية» دمور مصبوغة باللون الأزرق- لكى يسلمهم إلى المديرية التى ترحلهم فى صورة جماعات متتالية إلى موقع الحفر بمنطقة القناة، لكى يتسلمهم «مقاول» أو ملاحظ أنفار كشر شديد الغلظة.. يأمرهم بمواصلة الحفر ليلا ونهار بأدواتهم البسيطة البدائية التى لم تكن تتجاوز فأسا ومغلقا، ولا مانع من الضرب والاعتداء على من يقع منهم على الأرض من شدة الإجهاد، فالطعام قليل والمياه شحيحة ولا وجود للعلاج الطبى لمن يمرض منهم، ومن ثم طالهم مرض الكوليرا وحصد منهم عشرات الآلاف حتى وصل عدد من استشهد منهم بعد إتمام عمليات الحفر إلى مائة ألف شهيد.. كل ذلك من «السخرة» أى العمل بدون أجر.. فقد كانت التعليمات أن تُخِرج كل قرية أو نجع عددا من «الأنفار» للمساهمة فى هذا المشروع القومى العملاق فى ظاهره.. ولكنهم كانوا سخرة لشركة أجنبية مستغلة لم تكن ترغب فى تحمل أية تكلفة بعد أن حصلت على امتياز حفر القناة وإدارتها لمدة 99 عاما.. كممر مائى يربط البحرين الأحمر والأبيض.

........

نعم كانت الفكرة مصرية من البداية من عهد الفرعون (سونسرت) لربط البحرين واستغلال الممر للتجارة البحرية، وتجدد الأمر مرة أخرى فى عهد الفاتح العربى عمرو بن العاص، ثم دخل مرحلة الدراسات الجدية فى فترة الحملة الفرنسية على مصر، وتمكن المهندس «دليسبس» نائب القنصل الفرنسى فى مصر وقتها من إقناع الخديو سعيد بأهمية المشروع وجدواه الاقتصادية لمصر فيما بعد.. وبقية القصة معروفة، حيث انتهى الحفر فى عدة سنوات بدأت عام 1861 وانتهت عام 1869 باحتفال مهيب حضره ملوك وأمراء العالم وقتها وكان فى عهد الخديو الطموح إسماعيل حفيد مؤسس نهضة مصر الحديثة جده الأمير محمد على.. مؤسس الأسرة العلوية التى حكمت مصر حوالى 150 عاما.. وانتهت بقيام ثورة يوليو 1952، التى بدأت فى استكمال ما بدأه محمد على بمشروعات قومية كبرى.. لعل أهمها السد العالى، والوادى الجديد، ومصانع الحديد والصلب، وغيرها من الصناعات الاستراتيجية، والتى تزامنت معها محاولات تحقيق ما يسمى حاليا بالعدالة الاجتماعية فى المجتمع المصرى من خلال إعادة توزيع الثروة على أبناء الشعب، بإصدار عدة قوانين مختلفة للإصلاح الزراعى، حيث تم تفكيك الحيازات الكبرى للأمراء والباشوات وتوزيعها على صغار المزارعين والمعدومين من فلاحى مصر.

وكانت فترة جميلة.. شهدت تعبئة المجتمع بوطنية عالية لتحقيق الإرادة المستقلة من خلال الاعتماد على الذات.. وتحويل معدومى مصر من أجراء إلى ملاك،، ومن «أنفار» للسخرة إلى مزارعين وصّناع يشاركون فى بناء بلدهم وتأمين مستقبل واعد لأبنائهم وأحفادهم.

..........

ولكن الحياة- كما يقول الفرنسيون- كأمواج البحر.. دائما ما بين صعود وهبوط.. وهكذا كان الحال فى مصر.. توقفت المشروعات الكبرى.. وحاول «التتار الجدد» تفكيك ما تبقى منها بدعوى الخصخصة لإفساح المجال أمام «المتوحشين» من رجال الأعمال الذين صنعتهم الأنظمة السابقة.. بدعوى الحرية الاقتصادية والمنافسة والعدالة.. وعدم احتكار الدولة للنشاط الاقتصادية والتجارى.. وكلها عناوين براقة خادعة.. لا هدف لها إلا إفراغ الملعب أمام الرأسمالية المتوحشة.. التى أثرت على حساب الشعب الغلبان.. حيث منحوا الأراضى مجانا والقروض المصرفية بتسهيلات استثنائية.

على أية حال.. ومرة أخرى.. هذه هى الحياة.. المهم أن مصر عادت مرة أخرى على الطريق الصحيح.. على التراك- كما يقولون- بقيادة أحد أبنائها المخلصين التحمسين.. والمؤمنين بأنه لن تبنىمصر إلا بأيدى أبنائها.. وفى ظل قرار وطنى وإرادة مستقلة.. ومن ثم كانت «اللقطة» الحديثة للأحفاد وهم يحدثون ويطورون ما بدأه الأجداد، ولكن هذه المرة كانت الصورة أجمل والمنظر مبهجا.. شباب متطوع مفعم بالحماس والحيوية.. فى زى موحد نظيف لامع.. ووجوههم غضة مبتسمة لونها قمحى.. لون ترابك يا مصر، يشاركون رئيسهم الذين اختاروه بإرادتهم الحرة فى تفجير الساتر الترابى للقناة، ثم ينتقلون معه لموقع بداية الحفر ومعهم أدوات حديثة  نسبيا ليبدأ الحفر، ونقل الرمال إلى مكان آخر، تساندهم جرافات عملاقة وسيارات نقل حديثة.. وكأنهم يقولون لأجدادهم العظام..  نحن على دربكم سائرون.. ومكملون.. ومقدرون لجهودكم وتضحياتكم ودمائكم الذكية.. ولن ننساكم فأنتم فى العقل فكرة وفى القلب نبضة، ظروفكم كانت صعبة.. ولكنكم تركتم لنا أثرا تاريخيا وميراثا عظيما سوف نحافظ عليه ونطوره ونحدثه.. وهكذا الأمم الحية والشعوب الأصيلة.. أجيال تسلم الراية لأجيال وإن تعثرت الخطوات أو كثرت الخطوب.

...........

نعم.. لقد دقت ساعة العمل.. والآن تشارك أكثر من 30 شركة محلية كبرى بمعدات تجاوز الـ 7 آلاف معدة فى حفر الفرع الجديد للقناة وتعميق جزء آخر من الممر القديم.. كل ذلك بهدف تدعيم هذا الممر الملاحى الدولى.. كطريق تجارى بحرى هو الأرخص والأ أمن والأسرع بين قارات العالم المختلفة.

ومن حسن الطالع أن يتصادف مع الاحتفال بداية توسعة وتعميق القناة.. إعادة إحياء مشروع توشكى.. القائم على استصلاح واستزراع مئات الآلاف من الأفدنة من الأراضى المصرية العفية والمنتجة لأفضل المحاصيل الزراعية على مستوى العالم سواء كان من القطن أو الأرز أو البقول بخلاف الفواكه والخضراوات المفضلة لدى «الذواقة» من المستهلكين فى جميع بلاد العالم.

لقد ذكرنى الاحتفال وإعادة إحياء مشروع توشكى ببعض كلمات لأغنية جميلة كانت تغنيها «الفرقة القومية للفنون الشعبية» فى بداية الخمسينيات وبعد صدور قوانين الإصلاح الزراعى.. حيث كانت تقول: «فدادين خمسة..خمس فدادين.. لا إيجار ولا دين.. هازرعهم فلفل وأشطيطة وأمرميبهم صاحب البرنيطة.. يالا يا استعمار.. إحنا بقينا أحرار».

نعم..  نحن نملك مستقبلنا بفضل الله وبعونه.. ونحن على الدرب سائرون فى استكمال ما بدأه الآباء المؤسسون، فنحن التاريخ والحضارة.. والمستقبل..

إن شاء الله.. نحن المصريون.

تم نسخ الرابط