rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد نجم

فى الفيلم الشهير «شىء من الخوف».. والذى يعد من روائع السينمــا المصــرية.. موضوعــــــا وتمثيـــلا وإخراجــــــــا.. «لقطة» أتوقـف عندهــا كثيرا كلمــا شاهدت الفيلم، وكان آخرها الأسبوع قبل الماضى، وهى لقطة فرح «رشدى» أحد رجال عتريس.. حيث تبدأ الكاميرا فى إظهار أهل القرية المشاركين فى الفرح، والتركيز على أحد أصدقاء العريس يقوم بتوزيع الشربات عليهم،  كما هى العادة فى أفراح أهلنا فى الريف، خاصة فى محافظة الشرقية- أهل الكرم- حيث تدور الأحداث فى قرية «الدهاشنة» إحدى قرى مركز بلبيس.

 

ثم تنتقل الكاميرا لاستقبال رجل القرية القوى والمهاب «عتريس» والذى حضر ومعه بقية رجاله لمجاملة «رشدى» فى ليلة دخلته، ثم يلاحظ عتريس بعد أن يحتل موضع الصدارة فى مجلس الفرح أن المعازيم الذين أكلوا وشربوا الشربات ويستمتعون برقص «الغازية» لم يؤدوا ما عليهم من واجب فى مثل هذه المناسبات الاجتماعية (الأفراح والمواليد والطهور)، وهى «نقوط» العريس وهو مبلغ مالى يدفعه كل من حضر الفرح حسب قدرته المالية، وهو كما يقول أهلنا فى الريف «سلف ودين» أى كأن الحاضرين يسلفون العريس مبالغ النقوط ليستعين بها فى مواجهة ارتفاع تكاليف بداية حياته الأسرية بعد الزواج، وهى بمثابة «دين» عليه يجب أن يرده لكل من جامله فى أقرب مناسبة سعيدة.

نعم.. لاحظ عتريس أن الناس «متنحة» ولم يقوموا بما عليهم من واجب طبقا للعادات والتقاليد، فبدأ بنفسه وأخرج «كيسا» به مبلغ مالى وقذف به فى حجر العريس وهو يقول بصوت مرتفع «نقوطك يا رشدى» وانتظر أن يحذوا المعازيم حذوه ويقوموا بدفع «النقطة للعريس» ولكنه لاحظ صمتهم وعدم المبادرة، فاضطر لرفع صوته وهو ينظر لهم بوجه عابس، ونظرات حادة.. ويعيد تكرار ما قاله من قبل ولكنه كرسالة هذه المرة.. «نقوطك يا رشدى» فانتفض الجميع وقوفا فى طابور طويل.. يدفعون «النقطة» الواجبة جبرا واقتدارا.

هذه لقطة الفيلم الشهير الذى كتب قصته الأديب المرحوم ثروت أباظة وقام ببطولته المرحوم محمود مرسى فى دور «عتريس» والفنانة الكبيرة شادية فى دور «فؤاده» أطال الله عمرها- والذى أسيئ فهمه وقتها ومنعه بعض المزايدين من العرض، لولا تدخل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والذى أمر بعرضه فى جميع دور السينما بعد أن شاهده بنفسه، حيث ادعى بعض المنافقين أن ثروت أباظة كان يقصد بعتريس جمال عبد الناصر، وبفؤادة.. مصر، وهو ما لم ينطل على الزعيم الراحل.

qqq

وما يهمنى فى تلك «اللقطة» التى أشرت إليها سابقا، هو مجموعة من القيم والمعانى،مع اختلاف الموضوع والظروف والأهداف، وأول هذه المعانى والقيم أن هناك حقوقا يقابلها واجبات، فقد كان على المعازيم الذين أحُسّن استقبالهم وأكُرمّت ضيافتهم أن يقوموا بدفع «النقطة» الواجبة للعريس.. وإذا كان على «كبير» القرية أن ينبههم بالعرف السائد والعادات والتقاليد المتبعة، فقد بدأ بنفسه وسارع بدفع «النقطة».

وعندما لم يجد الاستجابة المطلوبة، اضطر للشخط فيهم وبحزم ملحوظ «نقوطك يا رشدى»! طيب ليه.. ما كان من الأول!

ويقول المثل البلدى- مع الاختلاف- من يرغب فى قطف العسل.. فعليه أن يتحمل قرص النحل!.

أى هناك مقدمات لابد منها لكى نحصل على النتائج التى نرجوها، وإذا كنا نرغب فى أن يحصل أبناؤنا على تعليم جيد، وخدمة علاجية مناسبة، وفرصة عمل ملائمة بعد تخرجهم، وإجمالا.. العيش بكرامة وفى ظروف آدمية، فلابد أن نعمل لذلك من الآن، وبمعنى آخر: إذا كان حاضرنا صعبا فلابد أن نحاول أن نضمن لأبنائنا وأحفادنا مستقبلا أفضل.. مما نحن فيه على الأقل، فالسماء لا تمطر ذهبا كما قال السلف الصالح، فلا بديل عن أن نتعاون ونتشارك لتحقيق هذا الهدف النبيل، كل حسب قدراته أو ظروفه، منا من يساهم بجهده، ومنا من يساهم بعلمه، ومنا يساهم بماله.. والله عليم بما فى الصدور.. وهو يعلم السر وما أخفى!

ولكن للأسف الشديد.. كانت الاستجابة إلى دعوة الرئيس المنتخب بالتبرع فى أدنى مستوياتها المتوقعة، إلا من بعض مؤسسات الدولة الوطنية كالقوات المسلحة وغيرها، وبعض الشركات العامة والخاصة وعدد قليل من رجال الأعمال والمستثمرين المصريين.

هذا على الرغم من أن الرئيس قد بدأ بنفسه وتنازل عن نصف مرتبه ونصف ميراثه، وأن هذه الأموال ليست «نقوط» له ولا غيره، وإنما هى لمصر.. الوطن.. ولأبنائها من الأجيال القادمة «الأحفاد».. فهذه الأموال تدفع لصندوق «تحيا مصر» والذى سيدير أمواله مجلس خاص من رجال الأعمال والشخصيات العامة، فتلك الأموال لن تذهب لخزينة الدولة، ولن تتحكم بها الحكومة، وإنما «المجلس الأهلى» هو الذى يحدد أوجه صرفها وسيراقب عمليات الصرف، أى أننا ندفع لأنفسنا، وسواء كانت النتيجة بناء مدارس للتعليم أو مستشفيات للعلاج أو طرق للانتقال والسفر أو محطات كهرباء للإنارة، أو مياه شرب صحية.. وغيرها من الخدمات الأساسية والضرورية لجميع أفراد الشعب، فالأموال المتبرع بها.. هى منا وإلينا.. فعلاما تنتظرون؟!

qqq

أقول ذلك.. وأنبه إليه.. قبل أن يضطر الرئيس، لأن يقول فى مواجهة المتقاعسين «نقوطك يا رشدى»..

بل قد نُشر فى بعض الصحف أنه خاطب بعض المستثمرين بمعنى قريب من ذلك.. عندما قال «ستدفعوا.. ستدفعوا».. ومدى علمى أن الأغنياء فى مصر ليس هم فقط مجموعة رجال الأعمال المعروفين إعلاميا، فهناك من هم بعيدون عن الإعلام ويملكون أضعاف ما يملكه هؤلاء.. فأين كبار التجار وأصحاب العقارات والأراضى الزراعية والمزارع الضخمة للخضراوات والفواكه وغيرهم وغيرهم؟

مدى علمى أن البلد فيها فلوس كتير، وإلا ما كانت إعلانات الإسكان فوق الفاخر والمنتجعات السياحية تطاردنا على شاشات التليفزيون ليلا ونهارا، ويكفى هنا الإشارة إلى «المزاد» الذى جرى على بعض الوحدات السكنية فى مدينة الرحاب، حيث بيعت الوحدة السكنية مساحة 65م فقط بحوالى 350 ألف جنيه، وكذلك المزاد الذى تم على كبائن المنتزه التى سحبت من رجال عصر مبارك، فقد وصل حق انتفاع الكابينة سنويا حوالى 150 ألف جنيه بعد إن كانت تؤجر فى السنة بحوالى خمسة آلاف فقط، هذا فضلا عن طوابير المواطنين لسداد مئات الآلاف من الأبنائهم بالجامعات الخاصة.

qqq

لقد سمعت شائعات كثيرة- لا أرغب فى تصديقها- أن هناك كثيرا من الإعلاميين وكبار الموظفين فى مؤسسات مختلفة عامة وخاصة يمتلكون شققا سكنية فى كل من دبى ولندن! ثم لا نسمع منهم سواء الغناء لمصر.. بأنها أمى ونيلها بيجرى فى دمى.. فى حين أن فلوسها حتى منى!.

والغريب أيضا أن كل ما يدفعه المتبرعون من زكاة أو صدقات أو تبرعات يخصم من الضرائب المستحقة عليهم..

لك الله يا مصر.. ولبعض أبنائك الهداية.

تم نسخ الرابط