rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد نجم

لماذا يحاول البعض «إشغال» الناس بقضايا جدلية، لا ناقة لهم فيها ولا جمل؟.. بل إن توقيت عرضها وتوسيع النقاش حولها  قد يوقظ فتنة كانت نائمة!

ولماذا يحاول البعض أيضا «استغلال» موقعه الإعلامى فى تصفية حسابات شخصية مع آخرين، فى حين أنه لا المكان ولا الزمان يسمحان بذلك، ناهيك عن الجوانب الأخلاقية والمهنية فى الموضوع.

فالبلد فى حالة «تعبئة» عامة للخروج من أزمتها السياسية والاقتصادية التى طالت نسبيا، وهى حالة تتطلب المشاركة وليست المناكفة، فضلا عن إلهاء المواطنين بقضايا وهمية فرعية وتغييبهم عما هو أولى بالاهتمام والرعاية.

 

أقول ذلك بسبب ما جرى خلال الأسابيع الماضية، كان أولها ما فجره الزميل العزيز والصحفى القدير إبراهيم عيسى، والذى يعد أحد «المحطات» الرئيسية فى تاريخ الصحافة المصرية، وإبراهيم قارئ جيد للتاريخ الإسلامى ومن عشاق آل البيت، وكثيرا ما أمتعنا بحديثه الشائق عن تفاصيل ما سمى بالفتنة الكبرى والتى بدأت وقائعها بمقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، ثم موقعة الجمل، واغتيال الخليفة الرابع على بن أبى طالب، وأخيرا مقتل الحسين بن على، واستقرار الخلافة لمعاوية بن أبى سفيان ولأبنائه من بعده وللأمويين عموما.

ولكن الزميل إبراهيم فاجأ الجميع فى برنامجه الذى سماه «مدرسة المشاغبين» بتفجير قضية عذاب القبر الذى أنكر وجوده، مدعيا أن لا سند له من آيات القرآن الكريم، وأن الله سيحاسب عباده مرة واحدة عندما تقوم القيامة..

وقد يكون الزميل حسن النية ودافعه مواجهة الخطاب الدينى المتشدد الذى أنتج تنظيم داعش وأمثاله من الحركات المتأسلمة المسلحة التى تقتل النفس التى حرم الله قتلها إلا بالحق.. بل يمكن القول إنها محاولة لإلقاء حجر فى مستنقع مياه راكدة لتحريك المجتمع نحو تجديد الخطاب الدينى وهو مطلب مجتمعى تناوله الكثير من الكتاب والمفكرين.. والدعاة أيضا. ولكن حسن النية وحده.. هنا لا يكفى.. بل إن حسن التعبير عنه واختيار الكلمات والقضايا المناسبة مطلوب أيضا.

فالخلاف حول التراث الإسلامى- باستثناء القرآن طبعا.. لأنه تنزيل من عزيز حكيم- قديم.. ومضى على ذلك أكثر من 1400 عام، وسبق أن تحدث فيه كل من الإمام محمد عبده ومن بعده الشيخ على عبد الرازق.. وتسبب ما قاله الأخير فى فتنة جديدة انتهت بالحكم عليه بالسجن. فما هو الجديد الذى حدث.. والذى دفع الزميل لتفجير مثل هذه القضايا الخلافية فى المعتقدات الدينية.. خاصة بين المصريين.. الذين يتميزون دون غيرهم بالإسلام السنى الوسطى.. وبمعنى آخر هم مسلمون بالفطرة، أى يقومون بالفرائض الخمس.. ويتبعون السنة النبوية الشريفة.. وخاصة المؤكد منها، كما أنها يحبون آل البيت ويحرصون على زيارة أضرحتهم.. ويتقربون بهم إلى الله للفرج مما يصيبهم من كرب أو مرض.. كما يستعينون بهم أيضا على قضاء حوائجهم.

وهم أيضا يؤمنون بالقضاء والقدر، ومع ذلك يعملون لحياتهم كأنهم يعيشون أبدا.. ويعملون لآخراهم كأنهم يموتون غدا.. وهم أيضا مؤمنون بكل تأكيد أن هناك حسابا من الله على ما تقترفه أيديهم أو ما ينطق به لسانهم فى دنياهم.

كل ذلك يعلمونه.. ويتعايشون به ومعه.. فالحلال لديهم بين وكذلك الحرام لا خلاف حوله.. ومن ثم لا يشغل الغالبية منهم أنفسهم بقضايا وهمية خلافية مثل تحريم قتل البراغيث، أو إرضاع الكبير! أو مثل ذلك مما يبتدعه المبتدعون! وقديما قال الشاعر القديم: ما جاءنا أحد يُخبر أنه.. فى جنة من مات أو فى نار. فعلم ذلك عند ربى سبحانه وتعالى.. علام الغيوب..

وأخيرا أقول للزميل إبراهيم عيسى- كما قال عزيز مصر لسيدنا يوسف- أعرض عن هذا يا إبراهيم، فالفتنة نائمة.. لعن الله من أيقظها!

****

وكذلك أيضا.. هذه «المعركة» الإعلامية بين الزميل عبد الرحيم على ورجل الأعمال نجيب ساويرس، فهى عبارة عن قتال فى غير معركة.. ونضال بلا قضية.. كما كان يقول الأولون، فالأخ عبد الرحيم استخدم من خلال برنامجه «الصندوق الأسود» لكشف المواقف الخفية لمن تصدروا المشهد السياسى أثناء حكم الإخوان، وقد يكون هذا مطلوبا وقتها ليعرف الناس حقيقة النشطاء السياسيين والمناضلين الجدد هواة السياسة الذين يبحثون عن نصيبهم من كعكة الحكم بحجة أنهم من قادوا الجماهير للثورة فى يناير 2011، ولكن الأمر تعدى ذلك لأمور شخصية بحتة.. وبدا كأنه تصفية حسابات مع البعض، وهو ما دفع المحطة التليفزيونية لوقف البرنامج بحجة تجاوزه الخطوط الحمراء المرسومة له من قبل!

والطريف فى الموضوع أنه لم يهتم أحد من المشاهدين أو من المواطنين بهذا الخلاف الذى تدخل فيه آخرون وبدون سبب، بل واعتبره البعض مجرد «نميمة» لا مانع من التسلية بها!

ولكن هذا الخلاف استدعى إلى ذاكرتى الآباء المؤسسين لقطاع المقاولات الحديث فى مصر.. أمثال مختار إبراهيم وحسن علام وعثمان أحمد عثمان، ثم أنسى ساويرس وفكرية عبد الحميد وغيرهم، فقد كانوا رجالا عظاما.. تفرغوا لعملهم باعتباره مساهمة فى بناء الوطن، ولم تشغلهم السياسة بمكائدها وخلافاتها، ومن ثم مازالت الجماهير تحفظ لهم جميلهم وتذكر سيرتهم بكل خير، فلماذا حاد الأبناء والأحفاد عن درب الآباء والأجداد؟.. لماذا يبحث هؤلاء عن المتاعب.. ويجعلون من أنفسهم وأعمالهم «منصة تنشين» لسهام المنافسين أو لكل مغرض وصاحب هوى؟.

أذكر أننى كنت شاهد عيان على واقعة جرت فى نادى الصحفيين بالجيزة.. لا تختلف كثيرا عما تقدم، كان طرفها عمنا المرحوم محمود السعدنى.. والطرف الثانى رجل أعمال صديق له ولى.. حيث ذهب ليستشيره فى الترشيح لرئاسة ناد رياضى كبير، فسأله عم محمود: أنت بتشتغل إيه يا فلان؟.. فأجابه ما أنت عارف يا عم محمود، فأعاد عليه السؤال مرة أخرى، فأجابه بأننى رجل صناعة وعندها فوجئنا- رجل الأعمال وأنا- بفاصل توبيخ من عم محمود.. «يا بن..... لما أنت رجل صناعة.. مالك ومال الكورة يا ابن.....» وضحكنا جميعا حتى اغرورقت أعيننا بالدموع، والغريب أن رجل الأعمال لم يأخذ بنصيحة عم محمود بأن يركز فى عمله ولا يفتح على نفسه «باب» المشاكل، ودخل الانتخابات ولم يوفق، وبدأت حرب المنافسين له الذين فاز ممثلهم برئاسة النادى.. وكانت النتيجة هروبه إلى الخارج لفترة غير قصيرة..

ولكن يبدو أنه لا أحد يتعلم من أخطاء الآخرين..

****

موضوع ثالث.. وهو الراقصة اللولبية واللهلوبة «صافيناز» والتى اكتسحت مسرح الرقص الشرقى فى مصر بحسن شكلها، وحلاوة رقصها، لقد شغل الإعلام الناس لفترة طويلة- ومازال- بأخبار الأخت صافيناز، ومرة بخبر ترحيلها عن مصر، ومرة أخرى بتصالحها مع خصومها، ومرة ثالثة بمخالفتها آداب الرقص الشرقى، ورابعة بارتدائها- فى نوبة حماس- علم مصر، وأخيرا.. فقد هداها الله وتزوجت من ابن الحلال..

فبشرى للمصريين.. صافيناز لن تغادر القاهرة!..

فهل هذا هو الإعلام المطلوب فى هذا الوقت الذى تعانى فيه مصر داخليا من تخريب جماعات سياسية رافضة، وحوادث قتل من حركات دينية مسلحة، وخارجيا من حصار اقتصادى من قبل بعض الدول الغربية.. وللأسف الشقيقة أيضا؟!

****

للأسف.. هذه السطحية الإعلامية دفعت غالبية المواطنين لإعطاء ظهورهم لشاشات التليفزيون المحلى.. عام وخاص.. فقد اندمج الشباب فى شبكة التواصل الاجتماعى ومحدثاته الجديدة، وكذلك ربات البيوت فى متابعة برامج الطبخ والأفلام والمسلسلات، أما المهنيون- من أمثالنا- فيبحثون عن متابعة ما يحدث فى العالم فى القنوات الأجنبية.. ولا عزاء لإعلامنا المحلى الباحث عن الفضائح والغائب عما يجرى والمُغَيب عن الوعى!

تم نسخ الرابط