بقلم : محمد نجم
لا يخفى على أحد أن قطار الخصخصة كاد أن «يدهس» المؤسسات الصحفية القومية فى ظل النظام الأسبق، ولولا رحمة ربك ثم وجود راع رسمى أو الأب الروحى لتلك المؤسسات وقتها.. لطالها ما طال مؤسسات القطاع العام، وخاصة شركتى عمر أفندى والنصر للسيارات، فقد حاول وزير المالية الأسبق د. يوسف بطرس تحويل مديونيات تلك المؤسسات للدولة إلى أسهم مملوكة لوزارة المالية على أن تطرحها الوزارة للاكتتاب العام فى البورصة فيما بعد.
فقد كانت «رؤية» أعضاء لجنة السياسات فى الحزب الوطنى المنحل.. وقتها.. أن تنسحب الدولة من جميع الأنشطة الرئيسية.. وأن تترك المجال للقطاع الخاص لقيادة عملية التنمية فى جميع المجالات بما فيها الإعلام.
وقد تصدى «الأب الروحى» للإعلام -وقتها- صفوت الشريف لهذه الهجمة من جناح الشباب المتعافى فى الحزب، وتمكن من امتصاصها وتفويت الفرصة عليهم من خلال السماح بإقامة قنوات فضائية خاصة، وأيضا السماح لصحف خاصة تصدر فى مصر بترخيص من الخارج، أو إنشاء شركات مساهمة مصرية لإصدار صحف خاصة، وبتلك المناورة الذكية من هذا الرجل الذى كان يعلم تماما كيفية الحفاظ على أدوات «الأمن القومى المصرى» نجت المؤسسات الصحفية «القومية» من «الدهس» بقطار الخصخصة.. كما حدث مع شركة النصر للسيارات وغيرها من المؤسسات والشركات المصرية العريقة.
ومن الطريف أننا فى دار المعارف تعرضنا وقتها لهجمة مباشرة من شركة غامضة طلبت منا بيع مبنى المؤسسة العريقة بحجة أننا «عثرة» فى خطة تطوير منطقة ماسبيروا! ولولا ستر الله لتمكن «التتار الجدد» من أهدافهم.. وضاعت «منارة» المعرفة إلى الأبد.
نعم.. لقد تعرضت المؤسسات الصحفية لهجمة ثلاثية فى ظل النظام الأسبق، حيث لم تحسن الدولة اختيار قيادتها.. بل أغمضت عينيها عن ترهل الإدارة وفسادها بعد أن شاخت تلك القيادات فى مناصبها، ومن جهة أخرى توجه القطاع الخاص بإعلاناته إلى الصحف الخاصة الجديدة فى ظل شبكة علاقات مصالح لم تكن بعيدة عن الغرض والهوى، وكانت الضربة الثالثة من الجهات الخارجية الممولة أو المانحة للإعلام فى مصر.. فقد وجهت قنوات التمويل الخارجى نحو الصحف الخاصة أيضا.
هذا فى الوقت الذى نجحت فيه تلك الصحف الخاصة الجديدة والتى أصدرها بعض رجال الأعمال فى تفريغ الصحف القومية من بعض كوادرها المهنية النشطة بإغرائهم بمرتبات شهرية باهظة.
ومن ثم وجدت الصحف القومية نفسها فى موقف لا تحسد عليه.. غياب المساندة الفعالة من مالكها (الدولة) وتراجع الإعلانات ونضوب التمويل الخارجى المعلن والمسموح به! بل أيضا تفريغها من بعض كوادرها الأساسية.
ومن المؤسف.. أنها لم تواجه تلك الهجمة بالتماسك والتعاون على أساس أن الجميع فى قارب واحد، إما أن يطفو وإما أن يغرق.. ودخل الجميع فى منافسة شديدة على من منهم يشيد مبانى أعلى وأكثر، وكذلك من منهم يمتلك مطابع- تفوق الحاجة- أضخم وأغلى، والأكثر غرابة هو المنافسة فى المطبوعـــات.. وخاصة المتخصصة فى الرياضة والحوادث والمرأة والدين وغيرها.
أى أنه كان عليهـا أن تتكامل مع بعضها ولكنها دخلت فى منافسة شرسة على قارئ محدود مع أن المالك واحد.. حيث كان من المفترض أن نلجأ إلى «خطة» تقشفية وأن تركز كل مؤسسة فى إصدارات صحفية لا تصدرها المؤسسات الشقيقة الأخرى، حيث كان يجب أن تكون «المنافسة» مع الصحف والمجلات الخاصة الجديدة.. والتى كانت تتوسع وتنتشر فى السوق.. كما تجرى الخيول فى السباق!
كل ذلك والمالك غائب أو يغمض عينيه عما يجرى لأسباب مختلفة، منها مثلا الدفاع أو الترويج للنظام أو التمهيد لعملية «التوريث».
وكانت النتيجة تراجع «دور» تلك الصحف القومية على المستوى المحلى والإقليمى أيضا بسبب محليتها الشديدة وتقليديتها وعدم حماس العاملين بها وترهل إدارتها، فضلا عن الخسائر والديون الضخمة التى بدأت فى التراكم حتى بلغت حاليا مليارات الجنيهات.
هذا على مستوى المجتمع أو السوق.. أما داخل المؤسسات نفسها.. فحدث ولا حرج.. فقد أنابت الدولة مجلس الشورى المنحل فى ممارسة حقوق الملكية عليها والتى اقتصرت على تعيين رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير وبعض أعضاء مجلس الإدارة والجمعية العمومية فى كل مؤسسة من المؤسسات الثمانى، وتركت الرقابة المالية للجهاز المركزى للمحاسبات والرقابة الداخلية والمحاسبة على الإنجاز للجمعيات العموميــة التى لم تكن تجتمع وأن حدث فزرًا للرماد فى العيون، حيث كان عليها أن «تبرئ» ذمة مجلس الإدارة كل عام بالنسبة لميزانية العام المالى المنصرم وتعتمد الموازنة التقديرية للعام المالى الجديد.. ولا أكثر من ذلك.
ومـن ثم وجدنــا مؤسسات كبرى تصدر صحفا ومجلات لكى يرأس بعض الصحفيين من «الموالاة» فيها رئاسة تحريرها.. فقط أى دون دراسة مدى حاجة السوق لهذه الصحف والمجلات من عدمه، وهل هناك «تمويل» دائم وكاف ومتنوع لاستمرار تلك الإصدارات أم لا؟.
وكيف لا يحدث ذلك وقد تركت المؤسسات وقتها لرؤساء مجالس الإدارات.. الذين هم فى ذات الوقت رؤساء التحرير.. والمديرون العموم.. والأعضاء المنتدبون.. إلخ.. فقد اختزلت جميع المناصب القيادية فى شخص واحد.. ومن ثم كان له الحق.. فى أن يفعل بالمؤسسة والعاملين فيها ما يريد.. حتى بلغ الأمر أن بعض الصحفيين كان يفاجأ بورقة معلقة فى الاستعلامات تتضمن منع دخوله المؤسسة.. لا لسبب إلا أن دمه ثقيل على قلب رئيس المؤسسة!!
هذا ما كان.. ولذلك استقبل الوسط الصحفى تصريح الرئيس السيسى بشأن المؤسسات الصحفية بارتياح كبير.. فقد أحسن الرئيس صنعا عندما أعلن لرؤساء التحرير فى لقائه معهم.. أن الدولة لن تتخلى عن المؤسسات الصحفية القومية.
وأضاف بما معناه أن من يفعل ذلك.. كأنه يرتكب جريمة فى حق الوطن.. الله عليك يا سيادة الرئيس.. فقد وضعت النقاط على الحروف.. ووجهت «الدفة» إلى الاتجاه الصحيح، فسارع وزير المالية الحالى وهو تلميذ وزير المالية الأسبق باعتماد المخصصات المالية السنوية المعتادة للقطاع الصحفى بعد أن هدد بوقفها، ومنها بدل التكنولوجيا ومكافأة نهاية الخدمة.. وغيرهما، ونرجو ألا تتردد وزارة التأمينات الاجتماعية فى التفاهم مع المؤسسات الصحفية للمعالجة السليمة والممكنة بشأن مبالغ التأمينات المتأخرة، وكذلك وزارة الداخلية فى تجديد تراخيص السيارات المملوكة لتلك المؤسسات.
أى أن تتعاون وزارات ومؤسسات الدولة المختلفة مع المؤسسات الصحفية فى حل وإنهاء مشاكلها المتراكمة لتخفيف الأعباء عن كاهلها.. تمهيدا لانطلاقة جديدة تنبئ- إن شاء الله- بعودة الصحف القومية إلى سابق عهدها.. لتكون رائدة الصحافة فى المنطقة العربية كلها.
تبقى الإشارة إلى ما يقوم به المجلس الأعلى للصحافة ومعه ممثلو التليفزيون ونقابة الصحفيين فى إعداد مشروعات القوانين المنظمة للهيئات والصحف الجديدة طبقا للدستور وهى المجلس الأعلى للإعلام وهيئتا الصحافة والإعلام.
فالملاحظ أن تلك التشريعات يعد لها فى غرف مغلقة وبعيدا عن ذوى الشأن أو المحملين بهمومها، والأدهى والأمر.. أن من يقوم بذلك «مجموعة» محددة تنتمى لتيار سياسى واحد.. وكأن مقدرات الإعلام المصرى آلت إليهم بالوراثة من الإخوان ومن قبله الحزب الوطنى المنحل.
فيا سيادة الرئيس.. نرجوك أن تضع الإعلام المصرى بكافة أشكاله.. المسموع والمرئى والمقروء.. تحت رعايتك المباشرة.. بعيدا عما يجرى حاليا من «تقسيمات» للتورتة.. ناهيك عن الغرض والهوى فى الاستبعاد والإقصاء لكل من له خبرة على أرض الواقع فى هذا المجال.
تعرضت الصحف القومية لهجمة ثلاثيـــة بدأت بسوء اختيار قياداتها ثم توجه رجال الأعمال والتمويـــل الأجنبـى نحــو الصحف الخاصـة.



