بقلم : محمد نجم
أعتقد أن الإقبال الكثيف من المواطنين العاديين على شراء شهادات استثمار قناة السويس يكشف عن عدة رسائل مختلفة، وإن كان لسانهم لا ينطق بها، فإن صدورهم تكاد تفصح عما فيها.
وبعض هذه الرسائل واضح وصريح وملخصه أن المصريين يثقون فى قيادتهم وفى مشروعاتهم القومية وجدواها الاقتصادية، وأنهم مستعدون للمساهمة.. بل التضحية بالغالى والنفيس من أجل رفعة بلدهم ومصلحة أحفادهم، وأنهم لن يسمحوا لأحد أن يلوى ذراعهم، أو يتجبى عليهم بمعونة أو مساعدة مشروطة.
كما أنهم يقولون لمستثمرى الخارج.. أفراد أو شركات.. والذين يترقبون وينتظرون.. أن مصر على «التراك».. وأنها بلد الفرص الواعدة والمربحة.. فضلا عن الضمان والأمان.
أما الرسائل الأخرى.. والتى تحتاج إلى فهم دقيق والتروى فى دراسة أسبابها ومغزاها، فمنها مثلا أن مصر غنية بأفرادها وأموالها.. وأن القطاع العائلى لديه «أموال» كثيرة يحتفظ بها «تحت البلاطة»- كما يقال- وأن تلك الأموال تنتظر الفرصة المناسبة والمضمونة لاستثمارها وبما يحقق عائدا ثابتا ومضمونا أيضا لأصحابها، فليس كل من لديه مال.. مستثمرا، كما أن بعضهم «اتلسع» من الشوربة أكثر من مرة.. سواء كان ذلك من شركات توظيف الأموال.. أو بسبب العودة القهرية من العراق وليبيا.. أو من النصابين المحترفين الذين يجمعون أموال الغير بحجة استثمارها بعائد مرتفع.. ثم- وبعد فترة- كأنهم فص ملح وذاب فى الماء!ومنها أيضا.. أن لدينا مشكلة فى الجهاز المصرفى المصرى.. كيف لم يستطع- ولا أقول فشل- إقناع هؤلاء المواطنين من أصحاب المدخرات البسيطة فى وضع أموالهم فى وحداته المصرفية المنتشرة فى جميع أنحاء الجمهورية؟.
فهل من ضمن أسباب هذا «الإحجام» من قبل المواطنين فى وضع أموالهم فى البنوك.. تلك التعقيدات البيروقراطية عند فتح حسابات جديدة؟.. أم أن الزحام والوقت المهدر سبب آخر؟.. أم أن العاملين فى الجهاز المصرفى تعاملوا مع هؤلاء الغلابة بتعال.. وإهمال.. طبقا لمقولة «اللى عايزنا يجينا.. إحنا ما نروحش لحد»؟.. أم أن «العائد» على الودائع فى البنوك لم يعد محفزا على ذلك.. خاصة أنه حاليا أقل من معدل التضخم فى المجتمع الذى تجاوز 11% سنويا.. خاصة بعد قرارات ترشيد الدعم الأخيرة؟.
أعتقد أن كل هذه الأسباب منطقية وموجودة على أرض الواقع، ويجب على القائمين على أمر الجهاز المصرفى فى المصرى دراستها ومعالجتها، والأهم من كل ذلك.. هو استغلال هذا الزخم والإقبال الكثيف من المواطنين فى شراء شهادات استثمار القناة.. لمساعدة المعهد المصرفى المصرى فى نشر ما يسمى بالتوعية المصرفية وهى مبادرة تحمل عنوان «حساب لكل مواطن».
فهل رجال البنوك أقل كفاءة وخبرة من العاملين فى قطاع الاتصالات؟.. والذين استطاعوا تحقيق هدفهم والذى حمل شعار «محمول فى كل يوم»، هذا مع أنهم كبدوا المواطنين مصروفــــات ضخمـــة ومستمرة سواء فى شراء الأجهزة أو دفع تكاليف المكالمات، وهذا أيضا مع أن مبادرة «حساب لكل مواطن» هى فى مصلحة المجتمع والمواطن.. حيث تستخدم الأموال المتاحة فى قنواتها الرسمية.. لتمويل الاستثمارات العامة الجديدة وبما يتيح فرص عمل وإنتاج وخدمات إضافية، فضلا- وهو الأهم- عن تحقيق فائدة مؤكدة لأصحاب تلك الأموال وهو العائد على وضع أموالهم فى البنوك.. فيا أيها المصرفيون ماذا تنتظرون؟.
نأتى إلى الرسالة الأهم.. ومربط الفرس فى الموضوع والتى قد أكون فهمتها على غير حقيقتها، ولكنى أقولها وأتحمل مسئولية خطأى.
وفى رأيى أن ملخص تلك الرسالة هو شعار «الغرم بالغنم» الذى رفعه هؤلاء المواطنون الغلابة- المتحمسون لبلدهم- وإن لم ينطـــق به لسانهم.
فقد أُنشِئْ صندوق «تحيا مصر» لجمع مساهمات المواطنين لتمويل بعض المشروعات القومية الجديدة، ولكنه لم يستطع جمع أكثر من عدة مليارات لا تزيد على أصابع اليد الواحدة، وكان أغلبها من مؤسسات وجهات رسمية.. مع بعض تبرعات رجال الأعمال. ولوحظ أن القطاع العائلى (الأفراد) لم يكن متحمسا بالقدر الكافى.. فى حين أنه تسابق وتزاحم فى شراء شهادات الاستثمار الجديدة ودفع أكثر من60 مليارا فى 8 أيام فقط.
وأعلم أن «رسالة» القيادة السياسية بالتبرع للصندوق لم تكن موجهة لهؤلاء المواطنــــين العاديين، وإنما للأثرياء ورجال الأعمال ونُشِر أن الرئيس خاطب هؤلاء «هتدفعوا.. يعنى هتدفعوا».. وسبق وكتبت مقالا بهذا المعنى كان عنوانه (نقوطك يا رشدى) أطالب فيها هؤلاء الأثرياء بالتبرع رضاء قبل أن يكون التبرع جبرا.. وكما حدث فى فيلم «شىء من الخوف» بطولة القديرة شادية والمرحوم محمود مرسى!
ومرة أخرى.. لماذا لم يتحمس القطاع العائلى بالقدر الكافى للتبرع لصندوق (تحيا مصر)؟ إن الرسالة كانت واضحة.. نحن نحب الرئيس السيسى ونثق فيه.. ولن نتأخر عن تلبية النداء بشراء تلك الشهادات التى سوف تستخدم حصيلتها فى تمويل المشروع الجديد لقناة السويس، وها نحن نفعل!
خاصة أن هذا «الإجراء» سوف يحقق مصلحة مشتركة.. مصلحة البلد بتوفير التمويل المطلوب لأحد مشروعاتها القومية الجديدة، ومصلحة المشترين فى توفير دخل إضافى ثابت يعاونهم على مواجهة أعباء الحياة.
أما عملية «التبرع»- ومازلنا مع الرسالة التى قد أكون فهمتها خطأ- فالأولى به من استفاد أو تربح فى ظل النظام السابق وما قبله.. أو هؤلاء الذين يحصلون على أجور ومرتبات مُبالغ فيها وبدون مبررات مقنعة.
فمنهم من حصل على مساحات شاسعة من الأراضى وبتسهيلات مريحة تكاد تدين من منحها، ومنهم من حصل على قروض ضخمة من البنوك لم يفد بها المجتمع ولا الناس.. حيث هَرّب بعضها إلى الخارج وتعثر فى سداد أقساطها للبنوك.
ومنهم من عمل بجد وفاض الله عليه بالكثير من الربح.. ولكنه لم يسدد ما عليه من ضرائب مستحقة.
ومنهم أيضا من تمتع بحماية المجتمع وحب الناس وتشجيعهم ولكنه بخل على البلد بالتبرع بجزء ولو قليل مما تحصل عليه وما يزال.. من ثروة وأقصد بهم الفنانين والإعلاميين!
وللأسف فهؤلاء منهم من اكتفى «بحب الوطن» أو الشخط فى المشاهدين والمستمعين بضرورة الوقوف بجانب البلد ومساعدتها فى منحتها.. أما هو.. فلسان حاله يقول: «اذهب أنت وربك فقاتلا.. إنا ها هنا قاعدون»؟
فيا سيادة الرئيس.. هذا استفتاء جديد على الحب والثقة.. ولكننا فى انتظار التطبيق العملى لمبدأ «الغرم بالغنم».. فنحن شركاء فى السراء والضراء.. ومبدأ العدالة الاجتماعية ليس ترفا نريد أن تجربه، وإنما هو أحد الحقوق الواجبة.. لكل من يساهم بجد وإخلاص بماله أو جهده فى بناء هذا الوطن الذى أعطانا الكثير، فلماذا يتأخر البعض أو لا يرغب فى سداد «الفواتير» واجبة السداد؟.. ألسنا جميعا سواء أمام القانون.. ومتساوين فى الحقوق والواجبات؟



