بقلم : محمد نجم
من المتوقع أن تعيد زيارة الرئيس السيسى لأمريكا العلاقات المشتركة بين البلدين إلى سابق عهدها، أى إلى علاقات طبيعية تتسم بالتفاهم السياسى والتعاون الاقتصادى والتبادل التجارى وكما كانت عليه قبل ما سمى بموسم «الربيع العربى».
والطريف أن الزيارة ليست بدعوة رسمية من الإدارة الأمريكية، وإنما بدعوة خاصة من الأمين العام للأمم المتحدة للمشاركة فى «قمة المناخ» والتى ستعقد بمدينة نيويورك على هامش اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة والتى سيتحدث أمامها الرئيس السيسى فى 25 من سبتمبر الجارى.
أتوقع ذلك.. لأنه جرت العادة على عقد لقاءات ثنائية بين قادة الدول المشاركة فى مثل هذه المناسبات.. وغالبًا ما تكون هذه الاجتماعات ضرورية.. إما للعتاب.. وتوضيح بعض الأمور لأحداث وتصرفات سابقة أو للتشاور والتفاهم على التعاون المشترك فى إجراءات لاحقة.
ولا أعتقد أن الرئيسين المصرى والأمريكى سيفوتان تلك الفرصة لإعادة ضبط إيقاع العلاقات المشتركة بين البلدين، فقد جرت فى نهر تلك العلاقات مياه كثيرة بسبب سوء الفهم.. أو غياب التقدير السليم.. أو سبب الرهان على حصان خاسر!
وغنى عن القول أن العلاقات بين الدول يجب أن تحكمها المصالح العليا المشتركة، أخذة فى اعتبارها الإرادة الحرة لشعوب تلك الدول، وحقيقة التحولات السياسية التى تجرى على أرض الواقع، وأمريكا دولة كبرى، وهى تتزعم العالم حاليًا سياسيًا واقتصاديًا كما أنها لاعب مؤثر فى المنظمات الدولية، ومصر دولة مهمة.. بسبب حقائق التاريخ والجغرافيا.. ويمكن القول أن بيدها - بعد عودتها القوية واستقلال قرارها السياسى- دفة حركة الأحداث فى المنطقة، ومن ثم لا يجب أن يتحكم «سوء الفهم» أو «الرهانات الخاسرة» فى العلاقات المشتركة بين البلدين.
***
ومن المعروف أن العلاقات المشتركة بين البلدين بدأت رسميًا فى 12 يناير 1832، وهو تاريخ أول تمثيل قنصلى أمريكى بمدينة الإسكندرية المصرية، وبالمناسبة كان أول قنصل أمريكى إنجليزى الجنسية..
ولكن العلاقات ازدادت عمقًا وفاعلية بعد قيام ثورة يوليو 1952، عندما أرسل قادة الثورة مندوبًا عنهم للسفير الأمريكى فى مصر ليخطره بأن هناك نظامًا سياسيًا جديدًا فى مصر حيث تم إسقاط النظام الملكى القديم، ثم فى عام 1962 أخطرت مصر بموافقة الرئيس كيندى على طلب الرئيس عبد الناصر بمساعدات اقتصادية أمريكية من أجل المساعدة فى تنفيذ خطة التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ثم حدثت مشكلة السد العالى وتراجع الأمريكان عن تمويله بسبب صفقة السلاح المصرى مع تشيكوسلوفاكيا، وجاءت هزيمة يونيو 1967 لتعمق الخلافات وتقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ثم استؤنفت مرة أخرى فى عام 1974 بعد انتصار أكتوبر 1973، وبعدها قرر الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون المساعدة فى تطهير قناة السويس وإعادة تعمير مدنها الثلاث بمبلغ 250 مليون دولار.
وبعد اتفاقيات كامب ديفيد والتى أقر فيها الصلح السياسى بين مصر وإسرائيل قررت أمريكا تخصيص معونات اقتصادية وعسكرية سنوية لمصر.. بلغ حجمها حتى الآن أكثر من 30 مليار دولار، ثم كانت حرب الخليج الثانية ومشاركة مصر فى تحرير الكويت من الغزو العراقى وإسقاط الديون العسكرية الأمريكية على مصر، ثم توقيع اتفاقية «الكويز» والتى تتيح إدخال الملابس والمنسوجات المصرية إلى السوق الأمريكى بدون جمارك وبدون حصة كمية، ثم مبادرة (مبارك- جول) نائب الرئيس الأمريكى فى التسعينات والتى أسفرت عن مجلس الأعمال المشترك بين البلدين، وأخيرًا تدفق الاستثمارات الأمريكية المباشرة إلى مصر.. والتى تركزت فى قطاعات البترول والسيارات والصناعات الغذائية هذا على الرغم من حالات الشد والجذب التى كانت تسود العلاقات المشتركة من آن لآخر بسبب محاولات مصر الاستقلال بقرارها السياسى وحرصها على استمرار دعم القضية الفلسطينية ضد المساندة الأمريكية للتعنت الإسرائيلى.
***
ثم جاءت ثورة يناير 2011 فى مصر.. وفوجئ المصريون بدعم مكثف من قبل الأمريكان للإخوان للوصول إلى حكم مصر.. حيث راهنوا عليهم فى تنفيذ «أجندتهم» الخاصة لدول المنطقة، وقد أعطى المصريون الفرصة للحكم الإخوانى لعل وعسى.. كما أغمضوا أعينهم بعض الوقت - مع المراقبة- للعبث الأمريكى فى الشارع المصرى، ثم طفح الكيل بما فيه.. وفاجأ الشعب المصرى الجميع بثورة تصحيح فى 30 يونيو 2013، وخسرت أمريكا الرهان وتخبطت إدارتها فى قراراتها، وساد سوء الفهم أجهزتها الإعلامية، كما شاب الغرض والهوى وسوء القصد نتائج الأبحاث والدراسات التى أصدرتها المراكز الأمريكية المتخصصة.
حدث كل ذلك من الجانب الأمريكى.. بينما وضعت مصر «خارطة طريق» حظيت بالتوافق المجتمعى وبدأت فى تنفيذها، وتمكنت فى شهور قليلة من استعادة استقرارها السياسى ونشاطها الاقتصادى والأهم فى تلك الخطوات أن «الدستور» الجديد.. وهو مصدر الشرعية الأساسى حظى بالموافقة العامة، كما انتخب رئيسها الجديد بأغلبية ساحقة.. أى أن الإرادة الشعبية الحرة كانت حاضرة وواضحة بما يجب أن تكون عليه مصر بعد حكم الإخوان، فلماذا لم يستوعب الأمريكان ذلك؟.. ولماذا أساءت الإدارة الأمريكية فهم رسالة الشعب المصرى؟!
***
أعتقد أن الإجابة عن التساؤلات السابقة تكاد تكون معروفة لـذوى الألباب، فهذه هى الحياة.. وأوضاعها المتقلبة غير المستقرة، ولن يسمح الآخرون «للاعب» أوحد أن يفعل بهم ما يريد خاصة عندما تتصادم أهدافه ورغباته مع مصالحهم الاستراتيجية وحقائق التاريخ والجغرافيا.
وأعتقد أن «الإخوة» الأمريكان استوعبوا الدرس تماما، فقد عادت الزيارات المتكررة لمسئوليها فى الخارجية والكونجرس إلى مصر، ولم تمانع مصر فى ذلك.. وأبدت حسن النية بإرسال رئيس حكومتها للمشاركة فى القمة الأمريكية الأفريقية التى عقدت فى واشنطن الشهر قبل الماضى، وأحسن الرئيس الأمريكى استقبال الرسالة، وحرص على أخذ الصور التذكارية هو وزوجته مع رئيس الوزراء المصرى فى البيت الأبيض.. مقر الحكم الأمريكى.
لقد تأكد الأمريكان أن مصر عادت وبقوة لممارسة دورها التاريخى والإقليمى فى المنطقة والعالم، وأن نجاحها فى تحقيق المصالحة بين الفصائل الفلسطينية هو تأكيد لهذا الدور الذى لا يمكن تجاهله أو الاستغناء عنه، خاصة أن الدول العربية الشقيقة فى أغلبها تساند العودة القوية لمصر فى منطقة تحتاج لـ «مايسترو» يضبط حركة إيقاعها.. بعد الفوضى غير الخلاقة التى حاول الأمريكان نشرها والتى أسفرت عن تفكك الكثير من الأنظمة.. بل الدول ذاتها، فضلا عن الظهور العلنى البجح للجماعات الإرهابية المسلحة.. وعلى رأسها تنظيم «داعش» الذى نجح فى شهور قليلة فى احتلال أراض شائعة فى كل من دولتىالعراق وسوريا ، وإفشاله المخطط الأمريكى فى إعادة رسم خريطة المنطقة.
***
ومن هنا.. أعتقد أن الرئيس السيسى يذهب إلى أمريكا بقصة نجاح مصرية وعربية، وأنه سيقول بالفم المليان للإخوة الأمريكان.. تعالوا إلى كلمة سواء، وأن مصر حريصة على التعاون المشترك مع الجميع وبشرط الشفافية والتفاهم على ما يحقق مصالح الشعوب ويحترم إرادتها الحرة.
وإذا كان الرئيس الأمريكى يقول لمواطنيه: «إنهم لن ينوبوا عن شركائهم فى حماية منطقتهم،ولن يشاركوا بقوات برية فى الحرب ضد داعش فى العراق»، فإن مصر أيضا لن تحارب فى معارك مفتعلة نيابة عن آخرين ومن أحضر العفريت فعليه أن يصرفه!
والخلاصة.. أنه لا بديل أمام مصر وأمريكا عن العودة إلى البدء.. مع احترام إرادة الشعب المصرى فى استقلال قراره السياسى.. والتى عبر عنها فى أكثر من مناسبة لا تخطأها «العين» الأمريكية التى ترى النملة فى جحرها!
حفظ الله مصر.. و ألهم الإخوة الأمريكان الرشد والصواب!



