بقلم : محمد نجم
إذا كانت المقدمات غالبًا ما تكشف عن النتائج اللاحقة، وإذا كان «الجواب بيبان من عنوانه»، فلاشك أن الأداء رفيع المستوى للرئيس والدبلوماسية المصرية طوال زيارة نيويورك والتى استغرقت خمسة أيام سوف يسفر عن نتائج إيجابية بالنسبة لمصر إقليميًا ودوليًا.
فلا يخفى على أحد دلالات تلك الحفاوة البالغة التى قوبل بها الرئيس السيسى من قادة الدول المشاركة فى هذا المحفل الدولى الضخم، وكذلك المجتمع الأمريكى بقياداته ومراكز أبحاثه ووسائل إعلامه، ثم مظاهرات الحب والتأييد الجارف من قبل الجالية المصرية فى كافة الولايات المتحدة والتى تجمّع أفرادها أمام مبنى الأمم المتحدة ومقر إقامة الرئيس طوال فترة الزيارة، ناهيك عن الإجماع العربى بأن يكون الرئيس المصرى هو المتحدث باسم الدول العربية فى «قمة المناخ» والتى عقدت على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
نجح الرئيس والدبلوماسية المصرية فى «التعبير» الواضح عن عودة مصر القوية لممارسة دورها الإقليمى والوطنى، وقد كان اختيار العرب للرئيس السيسى لإلقاء كلمتهم فى قمة المناخ عنوانًا متقدمًا لتفاصيل الخطاب التى سنعرضها لاحقًا، وقد التقط «الأخوة» الأمريكان الرسالة وأحسنوا استقبالها، فقد تأكدوا أن مصر هى «عمود» الخيمة العربية، وأنه لا يمكن اللعب فى المنطقة من ورائها، وأنه لا بديل عن العودة إلى سابق العهد من التفاهم والتعاون لتحقيق المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة.
والكل يعلم أن أمريكا تجيد ما يسمى بالحشد السياسى والإبهار الإعلامى ومنحها الضوء الأخضر أو عدم ممانعتها لممثليها من القيادات السابقة والحالية فى الخارجية والكونجرس والمؤسسات الاقتصادية، ما هو إلا رسائل ضمنية ومقدمة لعودة التفاهم والتعاون المشترك فى القضايا الدولية والإقليمية وأيضًا العلاقات الثقافية للبلدين.
فقــد حرصــت وسائل الإعــلام الأمريكية على عقد لقاءات خاصة مع الرئيس المصرى، كذلك كانت اللقاءات والاجتماعات مع «عراب» السياسة الخارجية الأمريكية لفترة طويلة الدبلوماسى المخضرم هنرى كيسنجر وزير الخارجية الأسبق، ومعه وزيرة الخارجية السابقة أولبرايت ثم مستشار الأمن الأمريكى الأسبق برنت سكوتروفت، وأيضًا أعضاء الكونجرس الأمريكى من النواب والشيوخ، ومن بعدهم الرئيس الأمريكى الأسبق بيل كلينتون وزوجته هيلارى وزيرة الخارجية السابقة، ثم رؤساء الشركات الأمريكية الكبرى فى اجتماع خاص للغرفة التجارية الأمريكية (الأم) برئاسة الاقتصادى المخضرم توماس دوتوهو، والذى كان لى حظ لقائه فى إحدى زياراتى لواشنطن، وهو لاعب محترف فى مجال الاقتصاد الدولى حيث يمكنه توجيه الاستثمارات الأمريكية إلى دولة ما أو غلق الحنفيات عليها! وكذلك كان اللقاء المهم مع السيد شواب رئيس المنتدى الاقتصادى العالمى.
هذا «الحشد» الدبلوماسى والاقتصادى والإعلامى الأمريكى ليس له سوى معنى واحد.. - لا يخفى على أحد - وهو أن مصر وأمريكا.. عود على بدء، وكما توقعنا فى هذا المكان الأسبوع الماضى، حيث قلنا «من المتوقع أن تعيد زيارة الرئيس السيسى لأمريكا العلاقات المشتركة بين البلدين إلى سابق عهدها، أى علاقات طبيعية تتسم بالتفاهم السياسى والتعاون الاقتصــادى والتبـــادل التجارى، وكما كانت عليه قبل ما سمى بموسم الربيع العربى.
qqq
نعم توقعنا ذلك.. لأنه لا بديل أمام الدولتين سوى ذلك.. فالمصالح تتصالح، وأمريكا لديها مصالح عديدة مع دول المنطقة.. أهمها البترول.. ثم السوق الواسع لصادراتها والذى يتمتع بقوة شرائية مرتفعة مقارنة مع أسواق أخرى، وأيضًا مكافحة الإرهاب الدموى والذى وصل إلى عقر دارها من قبل، وكل هذه المصالح الأمريكية ذات الأولوية القصوى لا يمكن تحقيقها إلا من خلال التعاون مع الدولة «المفتاح» فى المنطقة والتى بيدها «دفة» حركة الأحداث المتسارعة.. بحكم التاريخ والجغرافيا.
ولقد نجح الرئيس والدبلوماسية المصرية فى التعبير عن كل ذلك.. فقد كان الرئيس موفقًا فى إلقاء كلمة مصر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، فضلًا عن ما تضمنه الخطاب من معان قوية.. كان أولها أنه يتحدث كأحد أبناء مصر.. مهد الحضارة الإنسانية وأن شعبها لا يقبل بغير الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، ورفض الفساد وتسلط الفرد، وكذلك الإقصاء والطغيان حيث تمسك بهويته، وتحصن بوطنيته من أجل مصر جديدة بغد أفضل وأكثر ازدهارًا.
بل إن الرئيس حدد فى كلمات موجزة ملامح المرحلة المقبلة فى مصر الجديدة.. والتى تتمثل فى احتــــرام الحقوق والحريات.. وضمان حرية الرأى والتعبير والمساواة أمام القانون دون تمييز أو إقصاء.
ولم يكتف الرئيس المصرى بعرض قصة النجاح المصرية خلال الشهور القليلة الماضية.. ولكن عرضها أمام قادة الدول المشاركة كرؤية مصرية لحل الأزمات التى تواجهها بعض دول المنطقة، فمصر ليست تنغلق على نفسها ولن تتخلى عن دورها فى مساعدة الأشقاء على الخروج من مرحلة «الفوضى» غير الخلاقة.. فى كل من ليبيا وسوريا والعراق، وكل لبيب بالإشارة يفهم، كما أنها معنية تمامًا بقضية العرب الأساسية.. وهى القضية الفلسطينية، والمعنى أن مصر عادت لممارسة دورها فى قيادة وتوجيه الأحداث فى دول المنطقة، ولأن جذورها أفريقية.. فلم نغفل مناشدة المجتمع الدولى بالمساعدة فى مواجهة وباء إيبولا المنتشر فى العديد من دول القارة.
أما مواجهة الإرهاب.. تلك القضية التى أقلقتهم.. وحاولتم حشد العالم لمواجهتها فتعالوا لنعلمكم كيف قضينا عليها فى فترة التسعينات، وإذا كان الإرهاب قد عاد ليطل برأسه من جديد.. فلن تختلف النتائج عما سبق.
qqq
فى الحقيقة.. الكل يعرف من أحضر العفريت.. والطريف أن الذى أحضره لم يستطع وحده أن يصرفه، أو أنه «بيستهبل» لمزيد من الابتزاز والاستيلاء على أموال دول المنطقة.. بحجة المواجهة المشتركة لمكافحة الإرهاب!
وبهذه المناسبة يطن فى رأسى دائمًا.. كطن النحلة التعبير الموجز الذى قاله لى أحد الخبراء فى التعامل مع الشأن الأمريكى، فقد لخص استراتيجية الغرب بقيادة أمريكا فى التعامل مع الدول العربية بما معناه بالعربية «اجعلهم مهمومين دائما»، وذلك من خلال اصطناع الأزمات.. ثم أطلب منهم المساعدة فى مواجهتها والمشاركة فى حلها.
فكل ذلك له ثمن من الوقت والجهد والمال، وهو ما يعنى من ناحية أخرى الانشغال عن قضايا التنمية المحلية، وعدم الاهتمام بالمصالح الخاصة بشعوب دول المنطقة وعناصر أمنها القومى.. فهم فى «حالة حرب» مستمرة سواء ضد بعضهم البعض.. أو ضد عدو خارجى وهمى مصنوع!
qqq
وأعتقد أن رسالة مصر فى اجتماعات نيويورك كانت واضحة.. فإن الدنيا تغيرت وأن الشعوب هى التى تحكم حاليا، وأنه لم يعد مسموحًا لأحد مهما كان بتهديد مصالحها الضرورية وأمنها القومى.
فيا أيها المعنيون بمصالحكم.. نحن أيضًا لنا مصالح.. وإذا كانت المصالح تتصالح.. فتعالوا إلى كلمة سواء..



