بقلم : محمد نجم
القلب يحزن والصدر يضيق والعين تدمع.. هكذا يقول الرثاة عند فقد عزيز لديهم، والأمر لا يختلف كثيرًا بالنسبة لبعض الدول العربية التى طالها ما يسمى بالربيع العربى والتى تحولت مدنها وقراها إلى أطلال تنعى قاطنيها الذين رحلوا.. بينما حادى العيس يشجو .. وراهب الدير بالناقوس منشغل.
والغريب.. أن الأمر ليس جديدا، فقد خدعنا من قبل.. ولم نتعلم من خطأنا، ثم عدنا.. نتعرض للابتزاز وكأنه كتب علينا أن نظل «متلقين» يقتصر دورنا على ردود الأفعال وبما يخدم مصالح غيرنا.. ولا أكثر من ذلك
أقول ذلك بسبب الحرب الوهمية التى يشنها الغرب على مخترعاته السابقة والحالية ومنها القاعدة وداعش وخراسان وأنصار بيت المقدس.. وأنصار الله.. وغيرهم.. من تلك الجماعات الإرهابية المسلحة التى يخترعها الغرب ويدرب أعضاءها ويسلحها ويمولها ثم يطلقها على مواطنهم الأصلية.. فتبدأ الحروب التى ما أن تهدأ حتى تشتعل مرة أخرى بحجج جديدة.. ويستمر معها الاستنزاف البشرى والمالى للعرب أوطانا.. وأفرادا..
أذكر وأنا فى بداية عملى الصحفى أن اصطحبنى المرحوم أمين ميتكيس محافظ الشرقية الأسبق إلى منطقة الموسكى، حيث كبار التجار من عائلته ليجمع منهم تبرعات ليستكمل بها ما تم جمعه من أبناء المحافظة، ثم اكتشفت بعد ذلك أن المحافظات المصرية كانت تتبارى- وبناء على توجيهات سياسية- فى جمع أكبر مبالغ ممكنة لتمويل «ثوار» أفغانستان ضد الغزو الشيوعى السوفيتى، فقد كان على أمريكا والغرب أن يوفر لهم السلاح والتدريب، وعلى العرب أن يمدوهم بالمجاهدين ويدعموهم بالأموال، فضلا عن تسديد فواتير السلاح الغربى المستخدم.
وانتهت «المواجهة» بخروج السوفيت من أفغانستان وعودة «المجاهدين» العرب إلى بلادهم لمواصلة الجهاد ضد الشعوب والحكام الكفرة! وشهدت البلاد العربية موجة عاتية من الإرهاب الداخلى كان أبرزها فى الجزائر ومصر والسعودية، ولكنها سرعان ما انحسرت وهرب فلول المجاهدين إلى الدول الأوروبية وخاصة بريطانيا وألمانيا وغيرهما، حيث تم احتضانهم وتوفير المأوى الآمن.. لحين استخدامهم مرة أخرى!
ولكن كثيرًا ما تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن.. فقد انقلب السحر على الساحر وفجر تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن برجى التجارة الأمريكيين فى مدينة نيويورك، كما طالت الحوادث الإرهابية مدنًا مختلفة فى بريطانيا وأسبانيا وبعض الدول الأوروبية الأخرى.
***
وكان رد الفعل الغربى على ذلك بالعمل على تفجير المجتمعات العربية من الداخل.. من خلال إطلاق شعار «الفوضى الخلاقة».. أى التشجيع على ثورات شعبية رافضة لنظم الحكم العربية القائمة، خاصة أن بعض هذه النظم «هش» وليس له ظهير شعبى يسانده عند الضرورة، وبدأت الموجة بتونس وسرعان ما انتقلت إلى مصر.. ثم اليمن والبحرين.. وأخيرا ليبيا.. ثم سوريا.. بينما نجحت المغرب فى صدها من على الحدود، وتبعتها الجزائر بإجراءات إصلاحية عاجلة، ثم البحرين بالمواجهة.. ثم مصر.. بتطبيق الإجراءات الديمقراطية التى تتحدث عنها الكتب! وتمت النجاة من تلك الفوضى غير الخلاقة بأقل الخسائر الممكنة بالتماسك والمقاومة شعبا وحكومة، بينما ظل فى المصيدة من تهاوى أو عاند.. مثل ليبيا واليمن وسوريا.. أما العراق فتلك قصة أخرى!
***
وملامح الصورة الآن فى تلك الدول المنكوبة لا تغيب عن كل ذى عقل، فقد أعيد استخدام المجاهدين العرب والمسلمين الذين هربوا إلى الدول الغربية من قبل، حيث أعيد تصديرهم مرة أخرى إلى المناطق الساخنة فى الوطن العربى تحت ذريعة مناصرة أشقائهم «ثوار» الداخل فى القضاء على النظم الديكتاتورية المستبدة الحاكمة!
وقد بدأت الموجة الجديدة من الإرهاب باختراع ما سمى بالجيش الثورى الحر.. حيث تم تدريب وتسليح بعض الجماعات المتطرفة وغيرهم من المنشقين على النظام السورى، ولأن المعارضة السورية أغلبها طلاب سلطة.. وليسوا مناضلين ولا ثوارًا.. فقد فشلوا فشلا ذريعا فى تهديد النظام القائم.. والذى حظى بالدعم الشيعى.. من إيران أو حزب الله فى لبنان.. من منطلق تصفية الحسابات.. أو إيجاد أوراق ضغط سياسية لاستخدامها عند الضرورة.. وهنا تم اختراع تنظيم داعش وأنصار السنة وجماعة خراسان.. وغيرهم.. بتدريب تركى وتسليح أمريكى أوروبى.. وتمويل عربى، للأسف الشديد، ولكن.. وللمرة الثانية ينقلب السحر على الساحر.. وتقوى الشوكة التى أريد زرعها فى ظهر العرب.. لتُفَشِل مخططات التقسيم الجديدة للمنطقة.. بل تهدد منابع البترول.. ودولًا صديقة طالتها نيران عدائية!
ومرة أخرى أيضًا.. يلجأ الغرب بقيادة أمريكا إلى دول المنطقة- وكما حدث من قبل أثناء الغزو السوفيتى لأفغانستان- طالبا التحالف لمواجهة الموجة الجديدة من الإرهاب المصنوع فى المعامل الغربية!
ولكن الشعوب قد وعت الدرس والحكام تغيروا.. ومنهم من تحفظ ومنهم من اشترط.. ولم تجر الأمور كما أراد الساحر.
وهنا.. جاء دور مصر التاريخ والجغرافيا فلجأ إليها الأشقاء ولم تخذلهم، وأعتقد أن زيارة رئيس الوزراء الليبى الأسبوع الماضى إلى القاهرة ولقاءه بالرئيس وكبار المسئولين المصريين، ليس إلا ترجمة لمقولة الاعتماد على الذات- وأقصد بها الأشقاء- لمواجهة تدخلات الخارج وألاعيبه لإلهاء الدول والشعوب العربية عن قضاياها الأساسية باختراعات متوالية لاستمرار استنزافها.. أما الغرب وداعش فينطبق عليهما قول جرير:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا فابشر بطول سلامة يا مربع



