rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد نجم

يبدو أن شركات الاتصالات غيرت هدفها الذى بدأت به نشاطها فى بداية التسعينيات من القرن الماضى، وكذلك الشعار الذى رفعته وقتها لهذا الغرض من «محمول فى كل يد» إلى «يد فى كل جيب»! فشركات المحمول الثلاث ليس لديها «منتج» مادى ومن ثم لا تتحمل تكلفة مدخلات وتصنيع وتوزيع.. إلى آخره، وإنما تقدم «خدمة» اعتمدت فى بدايتها على بعض الإنشاءات والأجهزة والعمالة المدربة، وهو ما يعرف فى علم الاقتصاد بمصاريف الإنشاء.. أو تكلفة بدء النشاط من قيمة الترخيص وأجهزة وخلافه. وأعتقد أن الشركات استعادت وبقيم مضاعفة هذه التكاليف خلال العقود الثلاثة الماضية، منذ بداية الخدمة وحتى الآن.. ولا يبقى ما تتحمله سوى أجور العاملين بها وبعض مخصصات الصيانة.

وقد نجحت الشركات الثلاث فى زيادة عدد المشتركين لديها فى مايو الماضى إلى حوالى 100 مليون مشترك، وذلك بسبب إعلاناتها الملحة على المستهلكين، فضلا عن بعض الخدمات الإضافية كالدخول على شبكة الإنترنت، مع باقات معينة للمكالمات أو الرسائل، وقد تجاوب جمهور المستهلكين مع كل ذلك.. وزاد عدد المستخدمين لتلك الخدمات- وللأسف الشديد- مع احتفاظ تلك الشركات بأسعارها للدقائق أو للرسائل والتى تتراوح ما بين 20 و25 قرشا للدقيقة، و50 قرشا إلى جنيه للرسائل، بخلاف خدمة «الجوال» الدولى والتى تحظى بأسعار خاصة مبالغ فيها نسبيا.

وواقع الحال فى شركات المحمول حاليا يكشف عن وجود 33 مليون مشترك فى موبينيل، و41 مليون مشترك فى فودافون، و24 مليون مشترك فى «الاتصالات» وهناك أيضا حوالى 3 ملايين مشترك فى خدمات الإنترنت، ونسبة 65% منهم تعتمد على الشركة التابعة للمصرية للاتصالات والباقى للشركة التابعة لموبينيل.

والطريف فى الموضوع أن عدد المشتركين فى شركات المحمول كان يزيد سنويا بحوالى من 7 إلى 8 ملايين مشترك، ولكن فى يوليو الماضى خسرت الشركات الثلاث مجتمعة حوالى 2.5 مليون مشترك بعد أن تمت تصفية المستخدمين غير المسجلين لبياناتهم فى تلك الشركات، وقيل إن السبب هو إعداد السوق لدخول الشركة الرابعة للمحمول والتى تؤسسها المصرية للاتصالات صاحبة امتياز التليفون الأرضى فى مصر والتى بلغ عدد مشتركيها حتى يوليو الماضى 7 ملايين مشترك، كما أنها تحتكر البنية التحتية لشبكة الإنترنت فى مصر والتى تعتمد على شبكة التليفون الأرضى.

 

والغريب فى الأمر أن لدينا جهازا «لتنظيم الاتصالات» مهمته مراقبة عمل تلك الشركات وجودة خدماتها وحل ما ينشأ بينها من نزاعات وهى مهمة مطلوبة.. ولكننا كنا نأمل- باعتباره جهازا حكوميا- أن تكون عينه على مصلحة المواطنين أى محاربة احتكار هذه الشركات لسوق المحمول فى مصر، فضلا عن تحسين خدماتها، والأهم إعادة النظر فى أسعار تلك الخدمات، وبنظرة بسيطة على حجم المشتركين (انخفض إلى 97.6 مشترك فى يوليو الماضى)، ولو كل واحد منهم دفع جنيها واحدا فى اليوم، فسوف يصبح دخل هذه الشركات الثلاث حوالى 98 مليون جنيه يوميا، وفى الشهر 2940 أى حوالى 3 مليارات جنيه إلا قليلا..

فهل هذا رد الجميل الذى تقدمه تلك الشركات للمستهلكين الذين تحمسوا لها وأقبلوا على الاشتراك فى خدماتها؟

ناهيك عما قامت به هذه الشركات من بيع «قاعدة المعلومات» التى لديها، عدد مشتركيها وأرقام تليفوناتهم إلى شركات التايم شير، وشركات المسابقات، والبرامج التليفزيونية وشركات العلاقات العامة التى دائما ما تزعج المشتركين باتصالاتها فى أوقات غير مناسبة لتقديم عروض مختلفة. لا جدوى منها سوى سحب ما يوجد من أموال فى جيب كل مواطن، وهو تصرف غير قانونى، وغير أخلاقى، فالمفروض أن شركات المحمول مؤتمنة على بيانات العملاء- مثلها مثل البنوك تماما- وما كان يجب بيع أرقام المشتركين لديها إلى شركات العلاقات العامة أو شركات المسابقات بدون إذن منهم.

ولست أدرى لماذا يسكت جهاز تنظيم الاتصالات على ذلك؟.. وإذا كان قطاع الاتصالات «حبايب» مع بعض، فأين جهاز حماية المنافسة ومنع الاحتكار.. أو بقية الأجهزة المعينة الأخرى.. مثل جهاز حماية المستهلكين؟.

وللأسف هناك مفهوم خاطئ لمعنى «الاحتكار» فى السوق المصرى.. وهو عدم منع أحد من العمل فى السوق فى ذات النشاط مع أن العبرة دائما فى «القدرة على المنافسة» وليس مجرد العمل، وهل يصح أن يتنافس جرار زراعى مع سيارة مرسيدس فى سباق ما؟..

نعم أن كلا منهما له الحق فى استخدام الطريق ولكن هل يجوز تنظيم سباق سرعة بينهما؟.. لقد قالها الراحل صلاح منصور فى فيلم «الزوجة الثانية» الدفاتر دفاترنا والورق ورقنا.. ويبدو أن قطاع الاتصالات أعد القوانين التى تخدم الشركات والعاملين فيه وحدهما دون النظر لمصلحة المستهلكين، وإن كان هذا قد حدث من قبل فما هو المانع من إعادة النظر فى تلك القوانين.. أليست الدفاتر دفاترنا أيضا؟..

qqq

لقد كنت دائم الإشادة بقطاعى الاتصالات والآثار فى مصر، فالأول نجح فى نشر الخدمة بين المواطنين فى سنوات معدودة، كما نجح الثانى فى قيادة حملة من الشباب للحفاظ على الآثار المصرية من العبث واللهو.

ولكن- وللأسف الشديد- تحول هذا القطاع بمرور الشهور والسنوات إلى ما يشبه «الكارتل» الذى يعمل لمصلحة القائمين عليه فيط، مستخدما إعلاناته الغزيرة وهداياه من أرقام خاصة مميزة لبعض ذوى النفوذ، ووصل الأمر- باعتباره أكبر قطاع معلن فى مصر- إلى تهديد استمرار بعض الصحف العامة أو الخاصة يمنع إعلاناته عنها لأسباب شخصية أو سياسية، فبعض القائمين على أمر هذا القطاع تحولوا إلى سياسيين وأسسوا أحزابا.. بغرض اختراق البرلمان القادم!

ومع ذلك.. فهناك جزء من قطاع الاتصالات وهو فرع البرمجيات.. نجح العاملون فيه وبصمت وإصرار على بلوغ صادراته أكثر من300 مليون دولار سنويا، وهى قيمة مضافة لا بأس بها فى الدخل القومى والاقتصاد الوطنى ككل.

إننى أنصح القائمين على شركات المحمول فى مصر بإعادة النظر فى أسعارهم وتحسين جودة خدماتهم، قبل أن ينقلب السحر على الساحر، وقد ظهرت بوادره من شهور قليلة عندما نظم مجموعة من الشباب من مستخدمى الإنترنت ما سمى وقتها بثورة الإنترنت فى مصر.. محتجين على تردى الخدمة وارتفاع أسعارها مقارنة بالدول الأخرى.

ويكفى للدلالة على الاستجابة لحملة هؤلاء الشباب أن صفحتهم على الفيس بوك سجلت أكثر من 350 ألف معجب فى أقل من ثلاثة شهور فقط!

لقد كانت أسباب «ثورة» الشباب منطقية ومعقولة، فهناك ضعف فى مستوى خدمة العملاء فى الشركات المقدمة لخدمة الإنترنت، وزيادة عدد المشتركين لم يقابلها زيادة أو تحديث للبنية التحتية سواء خطوط الهواتف الأرضية، أو أبراج المحمول، فاحتكار تقديم الخدمة وعدم وجود منافسة.. وغياب الرقابة أوصلنا إلى ذلك.. وأخشى أن يصل الأمر إلى مقاطعة خدمات النت وشركات الاتصالات نفسها.

فياأيها القائمون على نشاط «المحمول» فى مصر وكذلك خدمة «الإنترنت» لقد أفاض الله عليكم بالرزق.. واستعدتم أضعاف ما تحملتموه عند الإنشاء وبداية النشاط، وحققتم أرباحا لا نحسدكم عليها، وأنتم الآن لا تبيعون سوى «الهواء» ولا تتحملون سوى أجور العاملون لديكم، فأرحموا مستهلكى خدماتكم وأعيدو النظر فى أسعاركم، وحسنوا من جودة خدماتكم.

والله غالب على أمره.. ولكن أكثر الناس لا يعلمون..            

تم نسخ الرابط