بقلم : محمد نجم
لدينا- نحن المواطنين العرب- مشكلة مع منظمات وهيئات العمل العربى المشترك، فهى كثيرة ومتنوعة، وهى موجودة.. بمبانيها وتشكيلاتها وميزانياتها ومؤتمراتها.. وربما تطالعنا أوجه ممثليها على شاشات التليفزيون وصفحات الجرائد.. ومع كل ذلك.. فالمحصلة صفر، أو كما يقول «المتكلمون» نرى ضجيجًا ولا نرى طحينًا، أى بأنها الحاضر بصورته.. الغائب بأفعاله.
ولست أدرى إلى متى ستتحمل الشعوب العربية عبء تلك المؤسسات.. وبقاء الوضع على ما هو عليه.. فلا هى تنقض على مشاكلنا وأزماتنا فتعمل على حلها ولا هى تنفض.. وتحل نفسها وتخلى المبانى التى تشغلها وتوفر المبالغ التى تنفقها؟!
مؤتمرات وسفريات وتصريحات.. بينما القتلى فى البلاد العربية يزداد عددهم يوما بعد آخر.. ولا تنفعل الجامعة العربية.. ولا تتحرك الاتحادات والوكالات النوعية، بينما الحركة الدائمة والفاعلة والمؤثرة يقوم بها «قباضيات» العالم تحت مسمى التحالف الدولى، وعمليات الإنقاذ والمساعدة والمواساة تقوم بها الوكالات الدولية التابعة للأمم المتحدة.
والغريب أن كل الدول العربية التى تعانى من الآثار السلبية لما سمى بالربيع العربى والذى نتج عنه فوضى غير خلاقة هى عضو مؤسس فى كافة التنظيمات العربية وعلى رأسها الجامعة العربية.. ألا ترى الجامعة وموظفوها من السفراء والمندوبين الدائمين والمؤقتين ما يحدث فى اليمن؟، حيث استولى تنظيم عشائرى مسلح وممول من الخارج على كافة مفاصل الدولة، وقد يتسبب ذلك فى قيام حرب إقليمية بين كافة الدول المطلة على باب المندب، ناهيك عن الحرب الأهلية التى يمكن أن تشتعل بين لحظة وأخرى بين الجنوب الراغب فى الانفصال والشمال المسيطر بقوة السلاح.
والغريب أن الذى حاول تفادى التصعيد فى هذا البلد الشقيق.. هو الأمين العام للأمم المتحدة وأرسل مبعوثه الخاص وهو يمنى (جمال بن عمر) الذى نجح فى جمع الفرقاء والتوقيع على اتفاق (الشراكة والسلم) والذى لم يكتب له النجاح بسبب اختلال موازين القوى على الأرض بين الأطراف المتصارعة فى الشارع اليمنى، هذا فضلًا عن «طيبة» الرئيس الحالى وعدم قدرته على السيطرة، فالقوات المسلحة اليمنية ولاء أفرادها وقياداتها لقبائلها قبل الولاء للدولة المركزية، والشرطة.. حدث ولا حرج وقد نقلت الشاشات منظرا مخزيا لفرد من الحوثيين يفتش عسكريا فى البوليس اليمنى فى أحد الكمائن، ومن ثم كان قرار المسئولين بارتداء الحوثيين المنتشرين فى الشوارع والمصالح الحكومية زى القوات المسلحة حفاظا على هيبة الدولة! فأين الجامعة العربية وأمينها العام وموظفوها مما يحدث فى اليمن؟!
والأمر لا يختلف كثيرًا بالنسبة للشقيقة ليبيا، بل إنه كان ومازال أكثر قسوة على أهلها ومن يعمل بها من العمالة العربية التى شردت وفقدت «شقى عمرها»! وكانت البداية عندما أراد الغرب الاستيلاء على البترول الليبى بحجة مساعدة «الثوار» فى القضاء على القذافى وفلوله، وبدلا من أن تتدخل الجامعة العربية وأمينها العام لإنهاء الصراع بين الأشقاء سلما بالتوافق.. أو جبرا من خلال قوات عربية، قامت الجامعة المصونة بمنح حلف الناتو وحلفائه «التصريح» الذى أصبح الغطاء الشرعى لدك المؤسسات الليبية بطائراته وصواريخه، ثم مطالبة المسئولين بعد ذلك بسداد فواتير هذا التدخل.. نقدى أو عن طريق البترول، وكان الأكثر مرارة وإيلامًا عندما قرأنا فى بعض الصحف عن قيام دولة عربية بتحمل مكافأة نهاية الخدمة لأمين عام الجامعة، وقيل إن المكافأة بلغت أربعة ملايين دولار!
فلماذا - لو صحت الواقعة - يحصل أمين عام الجامعة على مكافأة نهاية خدمته من دولة عربية تثير تصرفاتها الكثير من علامات الاستفهام، وإن كان ذلك عرفًا جديدًا فى العمل العربى المشترك.. فلماذا تنفرد دولة عربية وحدها بدفع مكافأة نهاية الخدمة لمسئول عربى كبير يتقلد موقعا مهما؟
فى الحقيقة.. الموضوع غريب.. وفى الفم ماء كثير، ولا نريد الإساءة لأحد.. ولكننا نطرح تساؤلات ونحاول أن نفهم لعلنا نستريح، فالنتائج كانت كارثية على هذا البلد الشقيق وعلى البلاد المجاورة له.. فهناك برلمانان وحكومتان.. والعديد من التشكيلات المسلحة.. كل منها يحمل اسم المنطقة أو المدينة التى بدأ منها ثوار بنغازى، الكرامة، فجر ليبيا، ثوار الزنتان.. وهلم جرة.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
الحمد لله.. وفى ظل غياب الجامعة العربية عن القيام بدورها.. بدأت الشقيقة الكبرى (مصر) تلملم حبات السبحة التى انفرط عقدها فى هذا البلد.. وتساندها الأمم المتحدة التى أرسلت ممثلا لها لتنظيم ورعاية «حوار» بين الأطراف المتنازعة هناك.. ونأمل أن تكلل تلك الجهود بالنجاح.. إن شاء الله.
أما فى سوريا ولبنان.. فالأمر أكثر غرابة.. نعم بعض الحكومات العربية ضد استمرار الرئيس السورى فى الحكم، ومنها - للأسف الشديد - النظام الإخوانى السابق فى مصر الذى نظم مؤتمرا جماهيريا أعلن فيه مؤازرة الثوار من إخوان سوريا، ولكن الله سلم وعادت مصر فى ظل النظام الجديد إلى رشدها، فلا يمكن لمصرى محاربة سورى تحت أى ذريعة، وإذا كان البعض لا يطيق بشار الأسد فما ذنب الشعب السورى ليقتل ويشرد.. أليس فيكم رجل رشيد؟
والأكثر طرافة.. أن داعش يتواجد بكثرة على الأراضى العراقية.. ومع ذلك تتركز ضربات التحالف ضد فلوله فى الأراضى السورية، والغرض واضح تخريب المنشآت السورية وتدمير ما تبقى منها، ولا مانع أن تطال الصواريخ والقنابل بعض عناصر حزب الله المتواجدة على الأراضى السورية والمتحالفة مع قوات بشار الأسد، كل ذلك مع دعم ما يسمى بالجيش السورى الحر بالعتاد والسلاح لتأجيج القتال بين أبناء الوطن الواحد واستمراره.. حتى يقضى كل منهما على الآخر.. مع استمرار الأراضى السورية المحتلة فى حرب 1967 فى قبضة العدو الصهيونى!
يتزامن مع ذلك تعثر اجتماع البرلمان اللبنانى لانتخاب رئيس جديد للبلاد تحت ذرائع مختلفة، كل هذا والجامعة العربية لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم وكأن الأمر لا يعنيها من قريب أو بعيد.
الأمر يبدو غريبًا.. ومحزنًا.. الإيرانيون يلعبون فى اليمن، والأتراك فى العراق وسوريا ولبنان ولكن بشكل مختلف، وكذلك أمريكا والدول الأوروبية «تلعب» أيضًا بشكل أو بآخر فى العديد من الدول العربية.. كل ذلك والجامعة العربية تتفرج وتنتظر بينما الرجال يقتلون والأطفال يشردون والنساء تستباح والمساكن تتهدم.. والجيوش تتحلل.. وتقاتل وحداتها بعضها البعض.
وبهذه المناسبة.. لا أملك غير الدعاء بأن يحفظ الله مصر.. وقواتها المسلحة.. وقيادتها الوطنية الواعية.. والتى تحاول الآن إعادة مصر إلى القيام بدورها الريادى.. ولملمة العقد المنفرط.
مرة أخرى.. حفظ الله مصر وقواتها المسلحة..
أما الجامعة العربية.. فلها الرحمة
ولنا الصبر والسلوان



