بقلم : محمد نجم
توقفت كثيرا أمام «الجملة» التى قالها الرئيس السودانى فى زيارته الأخيرة للقاهرة واصفا حال الإعلام وتأثيره فى الوقت الحالى حيث قال: «كنا دائما نقول إن الناس على دين ملوكهم، ولكن الآن أصبح الناس على دين إعلامهم».. ومخاطبا الإعلام بكافة أشكاله أن يتأنى فى معالجة القضايا المشتركة والعلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين مصر والسودان ومحذرا فى ذات الوقت بعدم التركيز على الإشاعات أو القضايا الخلافية- وهو أمر وارد- التى تثير البلبلة بين الشعبين.
وكان الرئيس السيسى قد سبق الرئيس البشير فى التلميح للدور السلبى الذى يقوم به الإعلام فى بعض القضايا، عندما أشار فى احتفالات القوات البحرية بمدينة الإسكندرية الشهر الماضى.. مخاطبا الإعلاميين الذين حضروا الاحتفال بقوله: «تمهلوا.. وخلوا بالكم من مصر.. واهتموا بقضايا الناس».
ومن الواضح ومن خلال ملاحظات الرئيسين، أن الإعلام أصبح مؤثرا بدرجة كبيرة فى اتجاهات الرأى العام، خاصة بعد انتشار شبكات التواصل الاجتماعى على الانترنت والتى أصبحت تطارد مستخدميها فى غرف نومهم ناهيك عن «إلحاح» القنوات الفضائية التى لا حصر لها.. وخاصة البرامج السياسية «التوك شو» والتى تحول مقدموها إلى نشطاء سياسيين ووعاظ وخبراء يفتون فى جميع مناحى الحياة.
ومن الواضح أيضا أن هناك «غضبة» من الإعلام الذى بدى أنه يغرد خارج السرب، بتفجيره لقضايا عقائدية خلافية لا يملك المجتمع ترف الانشغال بها فى الوقت الحالى، أو تبنى رأى بعض المعارضين أو التركيز على السلبيات ونشر «الإحباط» بين المشاهدين لأمر فى نفس يعقوب!، ومن ثم كانت «الغضبة» وبدا الزعل واضحا خاصة بعد تكرار الاجتماعات مع هؤلاء النشطاء السياسيين (مقدمى البرامج) وشرح وتوضيح حقيقة الأوضاع الحالية فى البلاد وخطورة ما تواجهه من ضغوط خارجية وأحداث عنف داخلية.
وأسباب ما حدث وما يمكن أن يحدث.. بسيطة جدا، فالإعلام المصرى بكافة أشكاله تتوزع ملكيته ما بين إعلام خاص، وآخر حزبى، وثالث قومى. والأول ممول من رجال أعمال لهم مصالح خاصة أصدروا صحفا وأنشأوا قنوات للدفاع عن مصالحهم وتشكيل «جماعات ضغط» لتوجيه التشريعات نحو هذا الغرض، هذا بخلاف أن بعضهم يرغب فى النزول إلى ملعب السياسية.. وساهم بالفعل فى إنشاء أحزاب جديدة خاصة بعد ثورة يناير 2011.
أما الثانى وهو الحزبى.. فمن المتوقع منه أن يدافع عن آراء وتوجهات الحزب الذى يمثله حتى لو اختلفت مع التوجهات العامة فى المجتمع، أما الثالث والأخير وهو الإعلام القومى والمتمثل فى التليفزيون بكافة قنواته والإذاعة بمختلف محطاتها، وكذلك المؤسسات الصحفية القومية الثمانية بكافة إصداراتها.. فمن المفترض به أن يكون «لسان حال» الدولة باعتباره أولا مملوكًا للشعب «حيث هو ملكية خاصة للدولة» وباعتباره ثانيا إعلامًا قوميًا.. لا هو حزبى ولا هو خاص، وإنما عليه أن يهتم بالقضايا القومية ويخاطب كل فئات المجتمع بكافة فئاته للتعبير عن أنفسهم من خلاله.
وغنى عن القول أن الإعلام أصبح أحد عناصر قوة الدولة تماما مثل القوات المسلحة وجهاز الشرطة، وهو مع الثقافة والفن يمثل أهم مكونات «القوى الناعمة» لأى دولة والتى يمكن استخدامها بشكل محترف فى تدعيم العلاقات الخارجية الثنائية أو الدولية.
ولكن المشكلة.. أن هذا «الإعلام القومى» تعرض لسوء إدارة وتضخم فى العمالة كبدته خسائر باهظة وتراكمت مديونياته وأصبحت تمثل عبئا ثقيلا يقيد ويعيق حركته، كما حوصرت قنواته وصحفه إعلانيا، فضلا عن توجه المساعدات والمنح الخارجية- التى سمح بها- نحو الإعلام الخاصه.
والطريف فى الموضوع أن هذا الإعلام الخاص قام ونشط على أكتافه الكوادر السابقة من الإعلام القومى سواء كانوا مذيعى برامج أو صحفيين أوكتّابًا.
وكانت المحصلة.. بعد التمويل السخى وكثافة الإعلانات وحرية الحركة.. أن الإعلام الخاص تمكن من سحب بساط المشاهدين والقراء- إلى حد ما- من الإعلام القومى.
حتى وبعد أن عادت الروح إليه بعد انتهاء السنوات الثلاث العجاف الماضية.. وبدت الحماسة من القائمين عليه لاستعادة البساط مرة أخرى.. لم يجد من يسانده أو يدعمه، فقد غاب الراعى الرسمى له، وسقط «حاضنه» فى غياهب الجب بعد حل مجلس الشورى وإلغائه والذى كان يقوم بدور المالك الداعم نيابة عن الدولة مالكة الرقبة!
والآن.. بدلا من أن يركز القائمون عليه فى عمليات التطوير والتحديث لإعادة المياه إلى مجاريها، واحتلال الصدارة الإعلامية فى المجتمع مرة أخرى أصبحوا مهمومين ليلا ونهارا بتوفير المرتبات الشهرية للعاملين، ناهيك عن تكاليف التشغيل والصيانة والتحديث، خاصة بعد أن «جفت» منابع التمويل المتعارف عليها من طباعة كتب وزارة التربية والتعليم، أو الإعلانات العامة والخاصة، والدعم الحكومى.. بل تعرضوا للمطاردة القضائية بأحكام ابتدائية بسبب تراكم مستحقات التأمينات والقروض وغيرها.
وفى الحقيقة لست أعلم كيف يتمكن الإعلام الخاص فى الاستمرار مع أن نسب توزيع المطبوع منه منخفضة للغاية، كما أن بعض الصحف تصدر بدون أى مساحات إعلانية على صفحاتها؟.. والأدهى والأمر أن بعضها تراكمت عليه الديون حتى بلغت 80 مليونًا من الجنيهات، مع وجود مجلس إدارة وآخر للأمناء وثالث للتحرير!
كما أن البعض الآخر منها لا وجود له على أرض الواقع، من حيث المقرأية أو التأثير الإعلامى.. ومع ذلك يستمر فى الصدور معتمدا على وجود موقع إخبارى نشط بذات الاسم.
ولكن الأغرب.. أن ينخدع أولى الأمر منا فى هذا الإعلام الخاص.. ويعتقدون خطأ فى قوة تأثيره، مع أنه لا يعمل سوى لمصلحة القائمين عليه ومموليه فقط، فضلا عن تراكم ديونه.. ويكفى الإشارة إلى هروب أحد «رواده» إلى الخارج هربًا من الملاحقات القضائية بسبب تلك المديونيات.
والمعنى.. أن الإعلام الحزبى لا ينتظر منه سوى التعبير عن آراء وتوجهات الأحزاب المصدرة له كما أن الإعلام الخاص ليس إلا «ظاهرة مؤقتة» لن تستطيع الاستمرار.. فممولوه لن يستمروا فى تحمل خسائره إلا إذا كان فى الأمر شىء لا نعلمه وغرض نجهله.. وهنا سوف تضاء «اللمبة الحمراء» فى وجهنا من تلقاء نفسها.. حتى لا نتحول إلى لبنان أخرى.. فلكل صحيفة هناك ولاؤها الخاص الداخلى والخارجى.. وهم أحرار ولكن المجتمع المصرى لن يسمح بذلك..
إذن لا بديل أمام الدولة المصرية سوى العودة للاهتمام بما تملكه من إعلام قومى صاحب التاريخ الطويل فى خدمة الوطن وأمنه القومى، والمطلوب ليس كثيرا ولا كبيرا وإنما يتلخص فقط فى إسقاط الديون السيادية المتراكمة على المؤسسات الصحفية، مع «قرض حسن» يسدد على أجال طويلة، بعد توفير مرتبات العاملين فيه لمدة 6 أشهر فقط، ومن بعدها يتم الحساب.. وعند الحساب يكرم المرء أو يهان!



