بقلم : محمد نجم
فجأة.. وبدون مقدمات افتعل البعض معركة وهمية.. الكل فيها خسران، فبعض الصحف الخاصة ترغب فى إنشاء غرفة جديدة باتحاد الصناعــات تحت مسمى «غرفـــة صناعة الصحـــافة» بحجة التنسيق فيما بينها على مستوى الطباعة والتوزيع والإعلانــات والاستثمار، مع أنها لا تملك مطابع ولا شركات توزيع ولا وكالات للإعلان.. ولا توجد لديها «خطة» للاستثمار.. بل إن بعضها على وشك أن يشهر إفلاسه، والبعض الآخر بصدد إغلاق المطبوعة الورقية والاكتفاء بالبوابة الإخبارية على شبكة الإنترنت.
والأمر الأكثر غرابة أن الذى حضر الاجتماع التحضيرى لإنشاء تلك «الغرفة» ليس ملاك الصحف الخاصة ولكن رؤساء التحرير العاملون لديهم، وكان أولى بالزملاء الصحفيين أن يعلموا أن دعوتهم ليس لها سند من القانون، فاتحاد الصناعات المصرية.. هو اتحاد مصنعين ينضمون تحت لوائه فى غرف نوعية طبقا لنوع الصناعة التى يزاولونها مثل صناعة النسيج أو الطباعة أو الصناعات التعدينية.. إلخ.. فما الذى يملكه ملاك الصحف الخاصة عن مقومات الصناعة حتى يطالبوا بالانضمام إلى اتحاد الغرف الصناعية؟!
الطريف فى الموضوع أن يخرج بعض من حضر هذا الاجتماع الغريب ليعلن أن هذه «الغرفة» المقترحة تستهدف حماية الصحفيين من ملاك الصحف، كيف؟.. وهل هى «غرفة» لأصحاب رأس المال أم «نقابة» للعاملين لديهم؟.. ما هذا الخلط الغريب للمفاهيم والحقائق المتعارف عليها منذ نشأة الصحافة فى مصر؟.. وهل المرتبات المبالغ فيها يمكن أن «تحول» معتقدات البعض ومواقفه إلى عكس ما هو معروف عنه من قبل؟.. يبدو أن الحكاية فيهـا إنَّ.. وقد لمح أحد «البيانات» الصادرة فى هذا المجال عن ذلك عندما أشار وتساءل «لماذا لا يشارك رجال الأعمال فى صناعة الميديا بشكل أوسع»؟.
qqq
بالطبع لم يصمت «الإخوة» فى مجلس النقابة.. وعقدوا اجتماعات.. وشكلوا لجانا.. وأصدروا بيانات.. تستنكر ما يحدث.. وتتهم أصحاب رأس المال بمحاولة السيطرة على الصحافة المصرية.. وتعاتب الحكومة على صمتها على ما يجرى.. وكذلك فعل المجلس الأعلى للصحافة، ولكنه خاطب رئيس الدولة طالبا الاجتماع معه لعرض مشاكل المؤسسات القومية، طالبا دعما حكوميا لا يقل عن 2 مليار جنيه لمواجهة مصاريف التشغيل العاجلة ومرتبات العاملين.. والالتزامات الأخرى التى لا مناص منها.
وأيضا دخل رؤساء مجالس إدارات المؤسسات الصحفية القومية على الخط وشاركوا فى حرب البيانات.. مذكرين من حضروا «الاجتماع» بأن «الآلة العملاقة لصناعة الصحافة من مطابع ومبان وآلات ومعدات وأجهزة توزيع.. إلخ» مملوكة كليا وتقريبا بنسبة 99% للصحف القومية وعلى رأسها الأهرام والأخبار والجمهورية. ولم ينسوا «معايرة» زملائهم رؤساء تحرير الصحف الخاصة بأنهم تربوا فى الصحف القومية، وأكلوا على «طبليتها» كما أنهم والصحفيين العاملين معهم يتلقون دعما تكنولوجيا ضخما من الدولة وليس من رجال الأعمال فى هذا القطاع.
ولم يكتفوا بذلك.. بل ناشدوا اتحاد الصناعات الذى هو أكثر وعيا وإدراكا لما تعنيه غرفة الصناعة فى أى قطاع ألا يلقى بالا بتلك المحاولة، محذرا من التعدى على حقوق الصناع الحقيقيين الذين سيواجهون مثل هذه المحاولات اليائسة بكل حزم.
qqq
كان هذا ملخصا لما جرى من «حرب البيانات» والتى تنبئ عن «فتنة» بين الصحفيين.. كانت نائمة ولعن الله من أيقظها.. كما كان يردد المرحوم النقيب كامل زهيرى.
أما «القراءة» المتأنية لما يحدث فإنها تكشف عن «حالة تربص» بالصحف القومية من قبل أصحاب الصحف الخاصة وبعض العاملين لديهم، وبمساندة من بعض وزراء الحكومة.
للأسف الشديد، مع أن الكل يعلم أن الصحف القومية كانت ومازالت هى أحد عناصر التوازن الاجتماعى والسياسى فى البلاد إن لم تكن هى أحد أسبابه بما تتيحه من «مساحة للآراء» المتنوعة والمعبرة عن كافة الاتجاهات السياسية والفكرية والفئات المختلفة فى المجتمع.
فضلا عن أنها كانت ومازالت هى الأقوى اقتصاديا والأكثر عددا والأوسع انتشارا وتأثيرا ويمكنها وضع تلك الصحف الخاصة الطامحة- بدون مبرر- عند حدها.. والأمر لا يحتاج لتفصيل، فاللبيب بالإشارة يفهم!
والمشكلة ليست فى التنسيق بين أصحاب الصحف الخاصة على مستوى الطباعة والتوزيع والإعلانات، كما ادعى أحد البيانات الصادرة عنها، فهى لا تملك مما ذكر شيئا، ولكن المشكلة أن مصدرى تلك الصحف لديهم «طموح» سياسى شرس، ويرغبون فى تفريغ الساحة من أى منافس لهم متذرعين فى ذلك برؤساء الصحف العاملين لديهم تحت ذرائع اقتصادية.. للأسف لا تبدو مقنعة وليس لها وجود على أرض الواقع، فقد سيطروا على المشاهد من خلال قنواتهم الفضائية.. فلماذا لا يستكملون هدفهم ويقضون على المنافسة على القارئ أيضا؟!
وللأسف.. فقد أحسنوا التوقيت- من وجهة نظرهم- فمن كنا نتوقع أن يتصدوا لهم يعملون لديهم.. كما أن هناك خلافا فى وجهات النظر بين الرئيس والأمين العام للمجلس الأعلى للصحافة حول هذا الموضوع، وهو الجهة المسئولة عن الصحافة المصرية بشكل عام، خاصة بعد أن آلت إليه اختصاصات مجلس الشورى المنحل.
ألا يعلم هؤلاء- مصدرو الأزمات- أن البلد فى حالة حرب مع الجماعات الإرهابية المسلحة وهو ما يستدعى «التعبئة العامة» فى المجتمع وعلى رأسها إعلامه أيا كان المالك أو نوع الوسيلة الإعلامية؟.. فهل لدينا «ترف» تصدير مشاكل ومعارك وهمية للمجتمع فى مثل هذه الظروف الحرجة، وأول ما يقال فى مثل هذه الحالة.. «عيب».. وليس وقته ولا أوانه.. كما أن المجتمع لن يسمح ليس الآن ولا مستقبلا بإعادة تكرار ما حدث من قبل فى التزاوج بين المال والسياسة والأمر لا يحتاج لتفصيل.. مرة أخرى.. فى الفم ماء كثير.
qqq
لقد بدا الأمر طريفا ومخجلا.. بعض الإخوة المناضلين فى مجلس النقابة يعملون لدى رجال الأعمال ليلا مذيعين ومقدمى برامج وبمقابل مادى مرتفع وفى النهار يصدرون بيانات ضدهم أى تسجيل موقف فقط.. وكأن الصحفيين أعضاء الجمعية العمومية كما ينشر فى صورة القرود الثلاثة.. لا يسمعون ولا يشاهدون ولا ينطقون!
أما «الإخوة» فى المجلس الأعلى للصحافة فقد حرصوا أيضا على تسجيل موقفهم، ولكنهم مشغولون- وهذا حق- بمشاكل المؤسسات الصحفية القومية ويعملون على حلها.
qqq
أعتقد أن العاملين فى المؤسسات الصحفية لن يصمتوا كثيرا عما يجرى حولهم، وسوف يتصدون لكافة الألاعيب التى تحاول هدم المؤسسات التى أفنوا فيها عمرهم، كما أنهم لن يخونوا الأمانة وسوف يسلمون راية تلك المؤسسات مرفوعة لخلفهم، كما تسلموها كذلك من سلفهم.
أما الإخوة ملاك الصحف الخاصة فلا أحد يمنعهم من الدفاع عن مصالحهم والتنسيق فيما بينهم من خلال جمعية أهلية تحت مسمى «اتحاد ملاك الصحف الخاصة» ولا أكثر من ذلك.. لأن الطموح المبالغ فيه يأتى بنتائج عكسية على من لا يملكون مقوماته..
ولله الأمر من قبل ومن بعد..



