rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد نجم

ما أشبه الليلة بالبارحة على الرغم من اختلاف الزمان والمكان، حيث كانت هناك عصابات مسلحة فى فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى، قد تخصصت فى سرقة مواشى الفلاحين فى الريف المصرى، وكانت أثمن وأغلى ما يملكه أهالينا فى القرى والنجوع فى ذلك الوقت.

وكانت هذه العصابات تلجأ إلى حيلة طريفة تعتمد على مراقبة المنزل المراد سرقته لعدة أيام، ثم تتجمع فى ظلام الليل وتتوارى عن الأنظار خلف المنزل وترسل أحد أفرادها للطرق على الباب والإسراع فى الاختفاء، فيستيقظ رب المنزل ويفتح الباب ولا يجد أحدًا، وبعد عدة دقائق يكرر ما فعله من قبل، وفى المرة الثالثة يطرق الباب، فيعتقد صاحب المنزل أنها «مداعبة» من بعض الشباب.. ويواصل نومه.. بل يستغرق فيه عوضا عن «القلق» السابق.

هنا.. وعندما تتأكد العصابة أن صاحب المنزل استغرق فى النوم تقوم بعمل فتحة فى زريبة المواشى والتى كانت دائمًا تقع خلف المنزل، وكانت معظم البيوت من الطوب اللبن الذى لا يصدر صوتا عند تكسيره وهو ما يسهل مهمة السرقة، وبعدها يتم سحب المواشى من الزريبة والابتعاد بها - فى جنح الظلام - عن القرية تمامًا وإخفاؤها لعدة أيام، ثم بيعها لبعض الجزارين المنحرفين، وتختفى معالم الجريمة ويظل الفلاح الغلبان يندب حظه ويندم على إهماله فى الدفاع عن ممتلكاته!

هذا ما كان يحدث من عصابات «الأرياف» فى الزمن الماضى، حيث إرباك الشخص المستهدف واستنزافه.. حتى تتم الجريمة بدون مقاومة.

ويبدو أن «الجماعات الإرهابية» الحالية تلجأ إلى تلك الحيلة القديمة لإرباك الدولة واستنزاف جهود مؤسساتها وقواتها الأمنية، فبدأوا بإعلان «ثورة الشباب المسلم» فى موعد لا هو مناسب ولا هو مبرر من التظاهر فيه، وزادوا فى التصعيد بأنهم سيرفعون المصاحف فى مظاهراتهم استدعاء لما حدث فى معركة «صفين» بين على بن أبى طالب ومعاوية بن أبى سفيان، بل إنهم أعلنوا عن حمل السلاح من فئة منهم لمواجهة قوات الشرطة والجيش وكل من يتصدى لهم من المواطنين.. مدعين - كذبا - فى كل ذلك أنهم يعملون على إعادة الهوية الإسلامية لمصر!

مصر التى آمنت بالتوحيد منذ عصور الفراعنة الأجداد، والتى ظلت الملاذ الآمن لكل مضهد مظلوم، والتى وصفها الشيخ الشعراوى بأنها (البلد الذى صدّر علوم الإسلام للبلد الذى نزل فيه القرآن)، مصر الأزهر الشريف الحارس على الدين الإسلامى وأهلها أصحاب السماحة والمتدينون بالفطرة، والذين تزدحم بهم بيوت الله عند كل صلاة، بعد كل هذا التاريخ الطويل.. تأتى مجموعة ضالة من «خوارج العصر» ليعيدوا إليها «الهوية الإسلامية»!، ألا بئس ما يدعون.. ولعنة الله على المتنطعين!

نعود إلى ما حدث.. إلى مظاهرات الفتنة.. فلا مصاحف رفعت.. ولا ثورة قامت من شباب ضال يدعى الإسلام، بل تكرار لمظاهرات قليلة العدد وضعيفة التأثير فى بعض الحوارى والأزقة البعيدة عن تجمعات رجال الجيش والشرطة وقبضتهم الحديدية فى مواجهة كل خارج عن القانون فى ذلك اليوم.

وبالطبع لم يخل اليوم أيضًا من بعض ما اعتاد عليه المصريون فى الشهور الماضية من قنابل صوت أو قطع طرق أو زجاجات مولوتوف، إلى جانب محاولات اغتيال خسيسة لبعض أفراد التأمين للمنشآت العامة والأماكن الحيوية.

والمفاجأة الطريفة أن كل ما أعلن عنه أو حدث لم يرهب المصريين، فخرجت المظاهرات «المؤيدة» فى بعض الميادين الرئيسية فى القاهرة والإسكندرية.. بل اشتبك بعضها مع المتظاهرين من شباب الجماعات الإرهابية.

ولكن ما أخشاه أن يكون ما حدث فى تلك الجمعة أو ما يتلوها من جمع أخرى.. ليس إلا مجرد عمليات وهمية مفتعلة لإرباك القوات واستنزاف جهدها وإنهاك قواها، ثم تقلد «عصابات المواشى» القديمة.. فتلجأ إلى حرق وإتلاف الممتلكات العامة والمنشآت الحيوية، فضلًا عن محاولات الاغتيال للأفراد وللقوات وتعطيل العمل وتهديد مصالح المواطنين.

 

على أية حال.. يجب أن يعلم المواطنون - واعتقد أن الغالبية منهم مدركة لذلك - أن ما يحدث فى المجتمع من محاولات عنف ومظاهرات متكررة، ما هو إلا «تعبير» عن نزاع سياسى على الحكم من فصيل خرج عن الإجماع ولم يعد له ظهير شعبى يسانده أو يقتنع بما يدعيه وأن هذا التعبير الذى اتخذ شكل العنف المسلح وتهديد حياة المواطنين ليس له علاقة بالدين من قريب أو بعيد!

كما يجب أن يعلم هؤلاء الطامعون فى الحكم والراغبون فى الوصول إليه على أشلاء أبناء وطنهم أن المصريين لم يسمحوا لأحد أن «يحكمهم» إلا بإرادتهم الحرة.. والتى عبروا عنها فى أكثر من مناسبة كان آخرها فى 30 يونيو 2013.

وأننا على وشك انتخابات برلمانية وهى فرصة متاحة للمنافسة فيها لكل من لم تلوث يده بدماء الأبرياء من أبناء الوطن، ومن يرغب فى ركوب «قطار الديمقراطية» فليعرض نفسه على الناخبين.. وعندها سوف يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود! ﭽ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽﭼ الشعراء: ٢٢٧.

والمعنى أن المعارضة السياسية السلمية العلنية مسموح بها، بل إنها ضرورة مطلوبة كما يحدث فى كل بلاد العالم، أما العنف المسلح فغير مسموح به ولا مقبول والدولة المصرية مسئولة عن القضاء عليه وحماية الأبرياء من مواطنيها المسالمين.

والغريب والمحير فى الأمر.. لماذا يأتى التصعيد فى هذا التوقيت.. حيث لا مناسبة ولا مبرر.. إلا إذا كان ما حدث وسوف يحدث مجرد عودة لما كانت تقوم به عصابات المواشى فى الأرياف فى الزمن الغابر!

فمصر تحاول استعادة دورها الإقليمى باعتبارها «دفة اتجاه الريح فى المنطقة» وفى هذا الإطار كانت الجولة الناجحة للرئيس السيسى لكل من إيطاليا وفرنسا، حيث تطابقت وجهات النظر على ضرورة مكافحة الإرهاب المسلح، وزيادة التعاون الاقتصادى بين مصر والبلدين الأوروبيين، فضلًا عن ضرورة التعاون على إعادة الاستقرار للبلد الشقيق والمجاور لحدودنا الغربية «ليبيا»، وأيضًا البحث عن حل مناسب للنزاع المسلح فى البلد الشقيق الآخر وحصن الدفاع الأول من الشمال عن المنطقة «سوريا».

ليس ذلك فقط.. بل تصادف أيضًا انتهاء بعثة صندوق النقد الدولى من زيارتها للبلاد وإصدار تقريرها الإيجابى حول الاقتصاد المصرى وتوقعات نمو السريع خلال الشهور القادمة، وهى «شهادة» ينتظرها الكثير من الشركات الدولية الكبرى والمستثمرين فى العالم، وهم يعتقدون - ومعهم كل الحق - أن مصر بلد الفرص الاستثمارية الواعدة.

بل تصادف أيضًا.. وجاءت تلك المظاهرات غير المبررة مع الانتهاء من حفر الفرع الجديد للقناة «على الناشف» بنسبة 80%، وبدء عمليات التكريك بمعدات حديثة بعد أن دخلت المياه إلى المجرى الجديد.

 

نعم.. أعلم تمامًا - بحكم عملى - أن هناك دولًا وجماعات لا ترغب فى استقرار مصر، وأنها تعمل دائمًا على إلهائها والانكفاء على مشاكلها الداخلية، وهذه - للأسف - من طبائع السياسة الدولية فى إضعاف الخصوم والمنافسين، ولكن ما يوجع القلب أن يتم ذلك بأيدى مصريين تربوا على أرضها وتعلموا فى مدارسها وجامعتها، ويستمتعون بخيراتها، لعن الله الجاهلين.. وحفظ مصر من كل فتنة يشعلها المغرضون.

 

تم نسخ الرابط