rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد نجم

تعلمنا فى كليات الحقوق أن الأحكام الجنائية تقوم على الجزم واليقين وليس الظن والتخمين، وهو ما يعنى ضرورة توافر أدلة الإثبات والتى لا يتطرق الشك إليها، والمدعمة بشهادة شهود الإثبات والذين غالبا ما يكون شهود عيان، فضلا عن علاقة السببية بين الفعل والفاعل ونتائج ما حدث، فضلا عن توافر الظروف المشددة أو المخففة، وكذلك حسن النية أو سبق الإصرار والترصد مع العمد، وواجبات الوظيفة العامة.. إلخ.. وهو ما يسمى بالأركان المعنوية.. والمادية عند الحكم بالإدانة فى الجنايات.

كما تعلمنا أيضا أن هناك فرقا شاسعا بين المحكمة الجنائية التى يجب أن يتوافر لها- عند الإدانة- كافة العناصر السابق الإشارة إليها، وبين المحاكم السياسية التى تعقد بواسطة أشخاص- من غير القضاة، وتعتمد على تقديرات عامة ووجهات نظر شخصية، ويحكمها فى كل الأحوال- الغرض أو التوجه السياسى للسلطة الآمرة بالمحاكمة وكذلك القائمون بها.

وأعتقد أن كل ما تقدم معروف للكافة، ولكن المشكلة أنه فى أعقاب الثورات أو الفترات الانتقالية بصفة عامة لا يحتكم البعض إلى العقل، وينساق البعض  الآخر خلف العاطفة.. والتى تكون جياشة فى مثل تلك الظروف، والأهم من ذلك أن البعض قد يصاب بضرر بالغ من الأحداث ويبحث عن القصاص العادل، وعندما يتعذر عليه ذلك، لا يجد أمامه غير من تحملوا مسئولية الحكم فى تلك الفترة، وهذه طبيعة بشرية لا يمكن تغييرها ولا تملك غير احترامها، احتراما لذكرى شهداء الوطن وتضامنا مع ما أصاب غيرهم من ضرر !

 

تلك المقدمة الضرورية- والتى طالت نسبيا- كانت ضرورية لأن البعض لا يقرأ.. وإن قرأ فقد لا يفهم أو يتعمد «المناكفة» من قبيل المزايدة ليس إلا.

 

أقول ذلك بسبب ما تبين لى وثبت فى عقيدتى بعد القراءة المتأنية لأحكام البراءة فيما سمى بقضية القرن والتى اتهم فيها الرئيس الأسبق وأركان حكمه.

 

ولنبدأ بقضية قتل المتظاهرين، وخاصة السؤال الذى مازال يبحث عن إجابة، إذا كان وزير الداخلية الأسبق ومساعدوه لم يقتلوا المتظاهرين، ومن ثم حصلوا على البراءة من ذلك، فمن الذى قتلهم؟.. لقد جاءت الإجابة من المحكمة ذاتها ومن خلال حيثيات الحكم، فبعد أن وصفت ما حدث وتطوراته انتهت إلى أن جرم الفاعلين الأصليين المجهولين مرتكبى وقائع القتل والشروع فيها سيظل بحالة «الشيوع» باعتبار أن من تعامل مع المتظاهرين بالأسلحة النارية والخرطوش بالميادين العامة فى المحافظات المختلفة، كانوا عصبة بعضها من ذلك الحفنة لبعض ضباط وأفراد الشرطة من ذوى عظيم الذات، (الذين أخذتهم العزة بالإثم)، ويشقون عصا تعليمات رؤسائهم، والبعض الآخر من التنظيم الإخوانى ومن تحالف معهم داخليا، وكذا من انضم إليهم من الغزاة الوافدين بعناصرهم العربية (وتقصد بهم حماس وحزب الله) والأجنبية؟

 

أما فيما يتعلق بالرئيس الأسبق، فقد تلقت النيابة العامة العشرات من الشكاوى والبلاغات من أهالى الشهداء والمصابين فى الأحداث.. تتهم مبارك ووزير داخليته وكبار مساعديه بأنهم من قتلوا المتظاهرين، وبعد التحقيقات صدر أمر الإحالة للمحاكمة مقصورا على الوزير ومساعديه فقط، وذلك فى شهر مارس 2011، وهو ما يعنى أنها استبعدت مبارك من الاتهام والذى وصف بالأمر الضمنى من النيابة العامة بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية قبله.

 

ثم عادت النيابة بعد شهرين فى 24 مايو 2011 وإحالة مبارك إلى محكمة الجنايات بتهمة الاشتراك فى القتل العمد مع سبق الإصرار.

وقد رأت المحكمة أن قرار الإحالة الأخير ما هو إلا نقلا كربونيا لأمر الإحالة السابق، وخاصة فيما يتعلق بالقيد والوصف وأدلة الثبوت وأقوال الشهود، بما يعنى أنه لم تتوافر دلائل جدية للعدول عن الأمر الضمنى بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية بشأن المتهم حسنى مبارك!

وتجدر الإشارة إلى أنه فى المحاكمة الأولى حكم على حسنى مبارك بالمؤبد لعدم قيامه باتخاذ الإجراءات الواجبة لحماية المتظاهرين، أى أنه حوكم على «القرار السلبى» الذى لم يتخذه بحكم وظيفته! وقد كان ذلك من أسباب نقض الحكم والإعادة للمحاكمة أمام دائرة أخرى، والأمر هنا لا يحتاج لتفصيل، فالوقائع باتت معروفة.

 

أما ما يتعلق بالتربح من الوظيفة واستغلال النفوذ وهى القضية المعروفة بالفيلات الخمس التى حصل عليها من حسين سالم بمنطقة شرم الشيخ، فقد استندت المحكمة على ما دفع به المتهمون من دفوع تتعلق بالنظام القانونى العام والذى لا يجوز مخالفته من محكمة تطبق القانون، حيث تنقضى الدعوى الجنائية فى الجنايات بمضى عشر سنوات على وقوع الفعل المجرم، أى أنه مضى عشر سنوات على حصول المتهم وعائلته على هذه الفيلات والتى اعتبرتها النيابة العامة «رشوة» مؤثمة قانونا، حيث سجلت ملكيتها بالشهر العقارى بمنطقة جنوب سيناء فى 14 أكتوبر 2000، فى حين لم تتم الإحالة إلا فى مايو 2011.

 

وهنا تقول المحكمة إنها لم تجد أمامها سوى الرضوخ لأحكام القانون العام وما أوجبته قواعد النظام العام فى هذا المقام.

 

ومع ذلك فقد أشارت إلى أنه يجب على القاضى نافذ البصيرة أن يطوع نصوص القانون لمعنى العدالة فى قضاياه، فإذا عصت عليه، ولم تطاوعه حكم بمقتضى النص، ونبه إلى ما فيه من ظلم، ليكون ذلك سبيلا إلى إصلاح القانون وليبرئ ذمته أمام الله.

 

أى أن المحكمة حاولت تطويع النصوص والحكم بما يسمى «روح القانون» ولكنها لم تستطع ذلك لأن الأمر يتعلق بمخالفة للنظام العام، ومن ثم فقد أهابت بالمشرع ضرورة التدخل بالتعديل لقانون الإجراءات الجنائية.. بحيث لا تسقط جريمة الرشوة أو استغلال النفوذ من قبل الموظف العام بمضى المدة.

 

وفعلا.. استجابت وزارة العدل لذلك.. وأعلن عن إجراء التعديل المطلوب.. وقد يصدر فى صورة قرار بقانون من قبل رئيس الجمهورية فى ظل غياب البرلمان.

 

أما قضية تصدير الغاز لإسرائيل وتورط الرئيس مبارك فيها، فقد ثبت للمحكمة من الأوراق وشهادة الشهود أن الأمر على خلاف ما أعلن، بمعنى أنه لم يحدث تربح ولا إضرار عمدى بالمال العام.. بل إن تصدير الغاز الطبيعى لإسرائيل كان له ثلاثة أبعاد (سياسية وأمنية واقتصادية) وكلها- طبقا للشهود- تتعلق بالأمن القومى المصرى.

 

بل أشارت المحكمة إلى أن الرئيس مبارك هو الذى أوقف تصدير البترول لإسرائيل- عندما زاد الاستهلاك المحلى منه، واستبدل ذلك بتصدير الغاز الفائض عن الاحتياج، للحصول على نقد أجنبى لشراء منتجات أساسية وحيوية كالقمح وخلافه، بل إن الرئيس مبارك تدخل بشخصه لتعديل أسعار تصدير الغاز لإسرائيل بعدما تغيرت الأسعار من تاريخ التعاقد عام 2000 إلى تاريخ التصدير مع بداية عام 2008.

كما ثبت للمحكمة أن الشركة المصرية القابضة للغازات- والتى يمتلك حسين سالم 70% من أسهمها- مدينة للهيئة العامة للبترول بحوالى 174 مليونا و825 ألف دولار بخلاف الفوائد الواجبة عليها من تاريخ استحقاقها وحتى تمام السداد، وهى ثمن إجمالى كميات الغاز المصدرة من يناير 2008 وحتى أبريل 2012 وناشدت المحكمة رئيس الوزراء بإلزام الشركة المذكورة بالوفاء بالتزاماتها.

 

والخلاصة أن المتهمين حوكموا مرتين فى جلسات علنية وأمام محكمة قضائية مختصة، أتيح لجميع الأطراف فيها الحديث.. سواء كان اتهاما أو دفاعا بالوكالة أو بالإحاطة.

 

وبعد كل ذلك.. ترسخ فى عقيدة المحكمة ما قضت به فى جميع التهم التى شملها أمر الإحالة، ولم يبق سوى قيام النيابة- بالطبع- بالطعن بالنقض.. وهو ما حدث فعلا، وقد تقبل محكمة النقض- الدائرة الجنائية- الطعن من حيث الشكل وترفضه من حيث الموضوع، وأيضا قد تقبله شكلا وموضوعا لأسباب يعرقها أهل الاختصاص ومنها قصور فى التسيب أو فساد فى الاستدلال أو عدم سلامة الإجراءات.. إلخ.

 

وهنا سوف تتحول الدائرة التى تقبل الطعن إلى محكمة موضوع، وتعيد المحاكمة للمرة الثالثة، ونبدأ من أول السطر.. وحتى صدور الحكم النهائى البات.

 

فالنهاية مفتوحة.. وعلمها عند علام الغيوب!

 

فماذا عن استمرار «الحياة» على أرض مصر؟.. ماذا عن الاستعداد لانتخابات البرلمان القادم؟.. وعن العمل بكل جد واجتهاد لتوافر حياة كريمة لأبناء الشعب الذى تحمل الكثير.. أى ماذا عن المستقبل؟..

هدانا الله لما فيه خير البلاد والعباد.

تم نسخ الرابط