بقلم : محمد نجم
تتواتر الأخبار عن تحالفات انتخابية استعدادا للبرلمان القادم.. ويمكن القول بأن هناك أربعة تحالفات أساسية بدأت فى التبلور، أولها «الجبهة الوطنية» والمنسق العام لها د. كمال الجنزورى مستشار رئيس الجمهورية، والثانية تحالف الوفد والمرجح أن يتزعمه عمرو موسى المرشح الرئاسى الأسبق، ثم تحالف التيار المدنى، وغالبًا سيكون بقيادة حمدين صباحى المرشح الرئاسى السابق، وأخيرًا تحالف التيار الدينى السياسى وعموده الأساسى حزب النور.
الطريف فى الأمر أن كل تلك التحالفات ومشاوراتها تجرى فى غرف مغلقة أو قاعات فندقية فاخرة.. بعيدًا عن الشارع ونبضه واتجاهات الريح فيه.
صحيح أن التحالفات «تكتيك» انتخابى متعارف عليه، وسبق تجربته من قبل فى انتخابات برلمانية سابقة، ولكن الأوضاع اختلفت والدنيا تغيرت.
فقد كان الحزب الوطنى الديمقراطى المنحل مسيطرًا على الحياة السياسية فى مصر.. لأنه كان يعيش فى «جلباب» رئيس الجمهورية، كما أنه كان يضم الكثير من الشخصيات العامة وكبار العائلات فى بحرى والصعيد إلى جانب مسئولين كبار فى الحكومة ومؤسسات الدولة المختلفة، وكان هناك تساهل مع المرشح فى حمل «الصفة» التى يفضلها سواء كانت عمالا أو فلاحين، وكذلك كمستقل أو فى قائمة، المهم أن يحظى بمساندة الحزب أو ينضم إليه بعد النجاح.. وإن لم يكن مرشحا على قوائمه.
وكان الحزب - حفاظا على الشكل الديمقراطى والتزاما بصداقات قديمة أو تحالفات مؤقتة - يترك بعض المقاعد فى دوائر معينة لقادة أحزاب أخرى لا تتوافر لها الجماهيرية المطلوبة!
ومن ثم كانت الأحزاب، خاصة الوفد وبعض التيارات السياسية التى لم تكن تطولها «منح» الحزب الوطنى، تتحالف مع بعضها كى تجد لها موضع قدم فى البرلمان وبأى عدد ممكن، وقد سبق وتحالف الإخوان مع الوفد، كما تحالف معهم الناصريون أيضًا.
والآن لا وجود للحزب الوطنى الديمقراطى.. وتحول المنتمون له سابقًا إلى «فلول» يحاول الجميع الابتعاد عنهم، ذات الوضع أيضًا طال المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين، بل تحول «البعد» إلى ما يشبه «العداء» بسبب أفعالهم المُجرمة قانونًا، ورعايتهم لبعض الجماعات المسلحة التى قتلت العديد من أبناء الجيش والشرطة، ناهيك عن المدنيين فى المظاهرات بقنابل المولوتوف والعبوات المتفجرة للمنشآت العامة.
والمعنى. أن الساحة تبدو «خالية» أمام قادة وكوادر الأحزاب الجديدة التى تشكلت بعد ثورتى يناير ويونيو، ومن هنا جاءت فكرة «التحالفات» التى تتشكل ثم تتفكك، وتعيد التشاور فيما بينها مرة أخرى، ثم تجمد «المشاورات» بسبب الخلاف على أولوية القوائم، وكذلك عدد المقاعد التى تخصص لأعضاء التحالف.
المشكلة أن بعض المنضمين لتلك التحالفات ليس لهم تاريخ سياسى يساندهم، ولا وجود لأحزابهم فى الشارع، والبعض الآخر قد يكون معروفا إعلاميا فقط من خلال شاشات التليفزيون أو صفحات الجرائد، تلك هى الحقيقة التى يعلمها الجميع.. ومن ثم هناك منهم من يهرول نحو «جزرة الجنزورى»، ومنهم أيضًا من يرغب فى حماية «عصا موسى»، ثم هناك الغائب الحاضر أحمد شفيق الذى «يناضل» من دولة الإمارات الشقيقة، ويتردد فى العودة إلى مصر، بينما أنصاره يروجون منافسته على رئاسة البرلمان القادم!
***
وأعتقد - ويشاركنى فى ذلك الكثير - أن هناك نسبة كبيرة من المصريين لديها الاستعداد للعمل مع من «فى يده الفانوس» وهو تعبير معروف يقصد به من فى «سدة الحكم»، خاصة إذا كان يحظى «بتوافق» شعبى ملحوظ، ومن يتابع تاريخ الحياة البرلمانية فى مصر.. يعلم تمامًا أن هناك عائلات كبرى فى بحرى والصعيد احتكرت المقعد البرلمانى فى دائراتها من أيام الملكية، وحتى حكم الإخوان، وهؤلاء كانوا أعضاء فى الأحزاب الملكية، ثم فى الاتحاد القومى، وبعده الاتحاد الاشتراكى، ثم حزب مصر.. وأخيرًا الحزب الوطنى المنحل.
ومنطق هؤلاء يعتمد على أنهم «مصريون» ومن يحكمهم «مصريون» أيضًا، وأن مصر بلد الجميع فلا مانع من التعاون، أى إنهم يعتبرون أنفسهم «الظهير الشعبى» لكل من يحكم مصر، بالطبع باستثناء الإخوان، فقد منحوهم «فرصة» لعل وعسى، ولكنهم أضاعوها بسبب أطماعهم فى الاستحواذ على كل شىء.. ناسين أن هناك شركاء لهم فى الوطن.
وهؤلاء الذين أعنيهم هم «عمود الخيمة».. لأنهم هم الطبقة الوسطى سواء كانوا عائلات أو عمالا أو فلاحين أو موظفين أو مهنيين.
ومن ثم فحكاية «الفلول» التى يتشدق بها البعض لا محل لها على أرض الواقع، وإلا كان المصريون كلهم «فلول»! ولماذا نذهب بعيدًا.. ألم يعمل د. الجنزورى مع كل الأنظمة السابقة؟! وكذلك عمرو موسى وأحمد شفيق وغيرهم ممن يتصدرون الساحة الآن! فالمسألة ليست إلا متاجرة ومزايدة بألفاظ.. مستحدثة لا تثير سوى الفتنة بين المصريين تمامًا مثل تعبيرات «الفوضى الخلاقة» و«الربيع العربى» المزعوم!
***
لقد دخلنا فى مرحلة الحسم.. وسوف تسعى كل التحالفات إلى ضم من لهم فرصة فى الفوز بمقعد البرلمان القادم.. وهؤلاء هم الفلول والسلفيون وبقايا الإخوان «المستترون» والذين لم تلوث أيديهم بدماء المصريين.
وأعتقد أن تلك التحالفات سوف تبلور فى النهاية إلى قائمتين فقط - بخلاف المستقلين - إحداها تحت مسمى الجبهة الوطنية بقيادة أحمد شفيق - إن عاد - والأخرى تحالف الوفد بقيادة عمرو موسى.. إذا استمر فى التحالف!
وسوف تطالعنا فى البرلمان الجديد.. ذات الوجوه فى البرلمانات السابقة - إلا من توفاهم الله - أو وجوه جديدة من عائلات قديمة.. بحجة أن السلف يسلم الراية للخلف!
أى إننا لن نستورد أعضاء من الخارج، ولكنهم سيكونون كلهم من الداخل.. ومن لديهم القدرة المالية أو النفوذ العائلى أو الوجاهة الاجتماعية.. وأعتقد أن الناخبين سيفضلون الأقرب والأصلح.. والقادر على حل مشاكلهم وحماية مصالحهم.
ولكنى ومن جهة أخرى مازلت متخوفا من عدم دستورية قانون الدوائر الانتخابية والذى حدد «كوتة» أى عدد معين لكل من الشباب والأقباط والمرأة وذوى الإعاقة، وكذلك المصريون فى الخارج، فهذا التوجه مخالف تمامًا لمبدأ «المواطنة» أى إن كل المصريين سواء أمام القانون، هم متساوون فى الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تميز بينهم بسبب الدين أو العقيدة أو الجنس أو الأصل أو العرف أو اللون أو اللغة أو الإعاقة أو المستوى الاجتماعى، أو الانتماء السياسى أو الجغرافى أو لأى سبب آخر.. وكل ذلك تضمنته المادة 53 من الدستور.
وكذلك فى المادة 11 والتى جاءت ضمن مواد المقومات الأساسية للمجتمع، حيث نصت فى فقرتها الثانية على أن تعمل الدولة على اتخاذ التدابير الكفيلة بضمان تمثيل المرأة تمثيلا مناسبا فى المجالس النيابية على النحو الذى يحدده القانون.
فهل تلك التدابير التى يحددها القانون.. تحدد عدد مقاعد معينة للمرأة فى عضوية البرلمان؟! وكذلك بالنسبة للفئات الأخرى كالشباب والمعاقين والأقباط والمصريين فى الخارج؟
ليس لدى إجابة.. وسوف أترك الأمر لأعضاء لجنة الخمسين، وكذلك فقهاء القانون والمشتغلون به!



