rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمد نجم

مازال بعض المرشحين لانتخابات البرلمان القادم يعيشون فى وهم الشعبية الزائفة، ومن ثم مازالت اجتماعاتهم فى الغرف المغلقة والقاعات الفندقية الأنيقة تتوالى لاختيار مرشحى الفردى والقائمة، والطريف أن هؤلاء المرشحين.. مناضلى الشاشات والجوامع والكافيهات لديهم اعتقاد خاطئ بأن الناخب ينتظر إعلانهم الترشح ليحملهم على أكتافه ويقتحم بهم أسوار البرلمان ليجلسهم على مقاعده.

إننى أكتب عن هذا الموضوع للمرة الثالثة بعد أن التقيت بالعديد من فئات المجتمع وقضيت بضعة أيام فى مسقط رأسى بالشرقية، واكتشفت أن الغالبية ممن التقيتهم ليس لديهم علم بمن سوف يترشح فى دائرتهم، ولا يهتمون بذلك، وكأن الأمر لا يعنيهم!

هذا فى الوقت الذى أعلنت فيه اللجنة العليا للانتخابات أنه سوف تفتح باب الترشح فى بداية الأسبوع القادم، وهذا أيضًا مع وجود أكثر من 90 حزبا رسميا فى مصر الآن، منهم من كان موجودا قبل ثورة يناير مثل الوفد والتجمع والناصرى والأحرار، وهى أحزاب بالاسم فقط.. حيث المقرات والرئيس واللجنة العليا وصحيفة الحزب.. ليس إلا، أى لا وجود لكوادر فى محافظات مصر المختلفة، ولا تواجد فى الشارع بين الناس، ولا إنجاز اقتصاديا أو اجتماعيا مسمع للمتابعين للنشاط الحزبى.

ومن الأحزاب أيضًا من ظهر بعد يناير 2011.. ومنها من قام على مرجعية ليبرالية.. أسسها أشخاص ظهروا فجأة واختفوا أيضًا فجأة بعد أن اكتشفت الجماهير أنه ليس لديهم غير الكلام المنمق وكأنهم فى قاعات الدرس.

ومنهم من أسس على مرجعية دينية ولكنه نأى بنفسه عن ذلك حتى لا يقع تحت طائلة القانون، وادعى أنه حزب سياسى من أخمص قدم أعضائه وحتى شعر رؤوسهم وهى الأحزاب التى تنتمى للتيار السلفى وأبرزها بالطبع حزب النور.

وهناك أيضًا أحزاب «هواة السياسة» من أصحاب المعاشات أو رجال الأعمال الذين يرغبون فى اقتحام البرلمان الجديد إما بتاريخهم الوظيفى أو بأموالهم الباهظة.

***

على أية حال.. هذه هى طبيعة الأمور فى الدول التى تمر بمرحلة انتقالية من نظام قديم إلى نظام حكم جديد، أو بعد الثورات  الشعبية بصفة عامة، حيث وجوه تختفى وأخرى تزاحم فى الظهور، وكذلك أحزاب «تشيخ» فى مقراتها بعد أن عاشت على ماضيها، وأخرى شابة مدفوعة بالأمل فى الإنجاز والتغيير، والحكم هنا هو الناخب الذى سوف يعبر عن إرادته الحرة فى الصندوق الانتخابى، ولكن المشكلة هنا فيما يراه من صراع النخبة على صوته الانتخابى وكأنه مضمون لبعضهم دون الآخرين، فى حين أنه قد لا يعرف أشخاصهم أو يسمع أفكارهم أو يتعرف على توجهاتهم، بل الأكثر من ذلك ما لمسناه جميعًا فى السنوات الأخيرة من عزوف الشباب عن المشاركة فى الانتخابات العامة مقارنة بحضور النساء والعواجيز من الرجال، وفى الحقيقة لست أفهم أسباب هذا العزوف، هل هو تمرد على الأوضاع الحالية؟ أم أنه عدم الاقتناع باللاعبين على مسرح الأحداث؟ والغريب أن الأمر بسيط جدًا.. والحل فى أيدى الشباب ذاته وهو يمثل أكثر من 40% من الناخبين المصريين، فإن كانت الأولى.. أى تمرد على الأوضاع الحالية.. فلا بد أن يتدخل ويشارك فى تغييرها.. لأنه سوف يرثها آجلًا أو عاجلًا، وإن كانت الثانية.. وهو عدم الاقتناع بالنخبة السياسية المتصارعة، فلماذا لا يدخل إلى الساحة.. مزيحا لتلك النخبة التى عمل أغلبها مع كل الأنظمة السابقة.. ولعب بعضها على كل الأحبال المتاحة، أى لماذا لا يتدخل كناخب ولا يعطيهم صوته، أو كمرشح بفكر جديد، ورؤية مختلفة تحمل الأمل للمستقبل؟!

فالمتعارف عليه ولا خلاف حوله أن البشر هم صانعو الأحداث وهم المتحكمون فى دفة الحركة واتجاه الريح، فما بالك إذا كان هؤلاء البشر من جيل الشباب المتعلم المثقف الممتلئ بالحماسة والجدية لخدمة بلده وقيادة ثورة التغيير إلى الأفضل فيها؟

لقد دعا الرئيس السيسى الشباب فى أكثر من مناسبة للعمل العام من أجل مستقبل أفضل، بل كلف مساعديه بالبحث عنهم واختيار الأكفأ منهم للمواقع القيادية فى المحافظات ومؤسسات الدولة المختلفة.

نعم هناك عراقيل.. وهناك مقاومة من الأجيال القديمة وهناك تعسف بيروقراطى غريب مثل ارتفاع تكاليف الكشف الطبى على المرشحين إلى 6 آلاف جنيه، ولكن متى كانت الحياة سهلة.. ومتى كانت النتائج بدون مقدمات، بل متى كانت الجوائز بدون مجهود مضنٍ وسهر طويل فى ليالى الشتاء الطويلة الباردة؟

أتذكر أن هناك مطربا مصريا كان يغنى فى إحدى الحفلات وتصادف وجود مستمع أجنبى طلب أن يترجم له ما يغنيه هذا المطرب، حيث لاحظ تكرار اللحن أكثر من مرة، فقالوا له إنه يقول:(يا مين يجيب لى حبيبى؟!) فسأل محدثيه: هل المغنى عيان ولا رجله مكسورة؟ فضحكوا من سؤاله، وقالوا: إن صحته جيدة، فانفعل المستمع الأجنبى.. وقال: لماذا لا يبحث عن حبيبه؟ ولماذا ينتظر أن يحضره أحد إليه.. وكأنه يتسول المحبة؟!

والمعنى واضح.. إن لكل شىء ثمنا، وأنه لا بد من بذل الجهد لتصل إلى ما تريد أو تحقق ما ترغب فيه، والأمر لا يختلف كثيرًا فى العمل العام، فإذا كان الشباب هم رجال الغد وقادة المستقبل.. فلا بد من أن يعملوا لذلك من الآن.. وأن يقتحموا الصعاب ويتغلبوا على كافة العراقيل.. وأعتقد أن المجتمع لن يخذلهم ولن يتوانى فى مساعدتهم، فلا يوجد ما يسعد الآباء أكثر من أن يجدوا أبناءهم فى أوضاع أفضل مما كانوا عليه.

***

وهكذا الحياة أجيال ورا أجيال.. وكل جيل يسلم الراية لخلفه، ولكن لا بد أن يستعد الخلف لتسلم الراية.. راية مصر الجديدة التى يحلم بها الجميع.

 

تم نسخ الرابط